تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4656

مساهمون:

ص٤٦٥٦
ذكر موسى هنا لناحية معينة فيه وهي أنه من ذرية إبراهيم ، وقد وعد اللّه إبراهيم أن يؤنسه بأولاده وذريته عندما اعتزل أهله وما يعبدون فكافأه اللّه تعالى بأنس الولد والذرية ، واستجاب دعاءه أن يجعل له لسان صدق في الآخرين ، وكان من هذا اللسان الصادق أن يكون له ذرية من الأنبياء فكان منهم من أولى العزم موسى وعيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم . وفي هذا الجزء من قصص موسى ذكر ما لم يذكر في مواضع كثيرة من قصصه ، وهو صفته التي كانت من أبرز صفاته أنه كان مخلصا ، قرئ ( مخلصا ) بكسر اللام ، و ( مخلصا ) بفتحها والقراءتان متلاقيتان ، فقراءة الكسر معناها أنه أخلص نفسه للّه ، وبدا ذلك في حياته ، فقد نشأ في بيت فرعون رافغا بعيشه مستمكنا بسلطان ، ومع ذلك نفر من دينه وملته ورضى بأن يكون من بني إسرائيل المستزلين المستضعفين في أرض مصر
. . . يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ . . .
( 49 ) [ البقرة ] ، ثم هاجر ابن النعمة الفرعونية إلى حيث يستأجر زارعا كادحا ، فأي شئ يدل على الإخلاص أكثر من هذا . وعلى القراءة الثانية ، وهي قراءة فتح اللام يكون المعنى أن اللّه تعالى أخلصه له وجعله كليمه ، وذلك ثابت من حياة موسى عليه السّلام ، فقد ولدته أمه في وقت فرعون وآله يذبحون أبناءهم ، فألهم سبحانه أم موسى أن تضعه في تابوت وتلقيه في اليم ، ويلتقطه آل فرعون ليكون في المستقبل عدوا لهم وحزنا ، وقد أرادوه قرة عين لهم
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ
، أي أخته -
. . . هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ
( 12 ) [ القصص ] ، وبذلك رجع إلى أمه وخلص لها فتربى في مهدها وكنف فرعون ، وبذلك صنع على عين اللّه ، كما قال تعالى :
. . . وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
( 39 ) [ طه ] فكيف بعدها لا يكون مخلصا وخالصا للّه ، واختاره أن يكون له كليما . وكلّ قراءة قرآن فيكون المعنيان مرادين بمجموع القراءتين ، فهو مخلص في شخصه ، وأخلصه اللّه سبحانه لذاته العلية .
زهرة التفاسير — صفحة 4656 | محمد أبو زهرة