تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4653

مساهمون:

ص٤٦٥٣
تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، أي تعبدون ، أعتزلكم وعبادتكم المشركة الآثمة لاجئا إلى اللّه تعالى ، ولذا قال :
وَأَدْعُوا رَبِّي
، أي أعبده لأنه ربى الذي خلقني القائم على كل أموري . وإطلاق الدعاء بمعنى العبادة ؛ لأنه التجاء إلى اللّه تعالى ، وهي ضراعة إليه ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الدعاء مخ العبادة » « 1 » ، وقد ذكر التصريح بالعبادة بعد ذلك في قوله تعالى :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
، أي خائبا ضائعا غير مقبول في دعائي وعبادتي ، فإن ذلك هو الشقاء الأكبر ، وهذا الرجاء كان لفرط إخلاصه للّه تعالى ، وخشيته من غضبه وطرده ؛ فإن الحبيب دائما يخشى من غضب محبوبه ، ويعمل على رضاه ويخشى من غضبه ، وخليل اللّه الذي اختاره اللّه تعالى خليلا ، وقال :
. . . وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
( 125 ) [ النساء ] ، كان أشد ما يخشاه غضب ربه ، وأن يرد عبادته فيشقى بهذا الرد ، وقال :
عَسى
الدالة على الرجاء تواضعا للّه واستصغارا لعبادته ، وكان بهذا المخلص البر الحبيب المحبوب ؛ إذ غلّب الخوف ليصلح أمره وأنه إذ اعتزلهم حرم من أنس أهله ، فوهبه البنين والذرية ، ولذا قال تعالى :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا
( 49 ) . « الفاء » عاطفة على
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، فاللّه عوضه عن الغربة الأنس بالولد والأحفاد ، أما الولد فإسحاق ، وأما الحفيد فيعقوب ، وكانوا بذلك فئته التي اعتز بعد اللّه تعالى بها ، وكان أنسه في هذا الاعتزال ،
وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا
، أي جعلنا كل واحد منهما نبيا ، و « كلا » مفعول مقدم ل « جعلنا » ، وقدم لأهميته ، وللإشارة إلى أن بدّله من أبيه المشرك الذي نهره وهدده بالرجم ثم طرده محروما من محبته ، بدله من هذا أنبياء من ذريته استأنس بهم بعد وحشة الاعتزال .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه من رواية الترمذي في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه .
زهرة التفاسير — صفحة 4653 | محمد أبو زهرة