لتأكيد الوقوع ؛ ولأن الأزمان عند اللّه واحدة ، لا فرق فيها بين ماض وقابل ، فكلها في علم اللّه تعالى واحد ، ولكن كون بعضها ماضيا وبعضها قابلا إنما هو بالنسبة لعلمنا نحن وحدنا ، فاللّه في علمه المكنون ألهم عيسى عليه السّلام في المهد أن ينطق بهذه الأمور على أنها واقعة وهي ستكون لا محالة .
أول قول لعيسى في المهد :
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
( 30 ) ابتدأ بإظهار العبودية للّه سبحانه وتعالى ، وكأنه عليه السّلام يرد على الذين أخرجوه من مرتبة العبد الخالص الزكي الطاهر إلى مرتبة الألوهية ، وهو لن يستنكف أن يكون عبدا للّه . والثاني : أنه آتاه كتابا يدعو الناس إلى اتباعه ، وهو التوراة والإنجيل فهو يدعو إلى العمل بهما ، والثالث أنه جعله نبيا . وهذا الجعل في علم اللّه تعالى أكنّه إلى أن يبلغ من ينبأ ويحمل رسالة ، وهو بالنسبة لنا هذا الوقت الذي قاله إخبار بالماضي للدلالة على مؤكد في المستقبل .
والكتاب ذكر بالتعريف ب ( أل ) ، وقد أشرنا إلى أنه التوراة والإنجيل ، فإن الإنجيل لم ينسخ التوراة ، ولكن نسخ بعض أحكامها ، وما يغاير فيها لا يؤخذ به ، وما لم ينص عليه فيها يؤخذ بأحكامها .
وقد بين عيسى عليه السّلام على لسانه وهو في المهد أنه سيكون مباركا ، فقال تعالى عنه :
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
( 31 ) .
المبارك النافع الهادي المرشد الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر ، والداعي إلى الحق والتنزيه ، وقد كان عيسى عليه السّلام واضح البركات : كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن اللّه ويحيى الموتى ، وينادى الموتى فيخرجون من قبورهم وأنزل اللّه تعالى على يديه المائدة من السماء ، على أن تكون عيدا لأولهم وآخرهم ، فأي بركة أعظم يعطاه مبارك ؟ ! .
ثم قال :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
، الإيصاء : الأمر المؤكد الواجب الاتباع أوصاه اللّه تعالى
بِالصَّلاةِ
، ويكنى بها عن إصلاح نفسه