أكان سريرا أم وسادة أم غيرهما ، ولكن استبان لهم أن هذا الصبى أحكم وأعلم منهم ، وأنطق بالحق ممن استغربوا .
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
( 33 ) .
كان كلامه الحكيم الفصيل بين الحق والباطل وأبلغ ما يكون ردا للاتهام الذي لا يقوم إلا بمجرى العادات ، فتبين لهم أنه فوق مجرى العادات الحاكمة التي يحسبها فلاسفتهم أن الأسباب والمسببات قانون لا يقبل التخلف ، ونسوا أن خالق الأسباب والمسببات فوق كل نظام ؛ لأنه خالق كل نظام وفعال لما يريد .
ونلاحظ قبل أن نتكلم في معاني هذه الآيات أنها عندما واجهت القوم لم تقل كما أمرت
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
، ولكنها نفذت الأمر بالفعل فلم تتكلم معهم بل أشارت إليه أن يرد ، فهي نفذت مدلول الأمر ولم تنطق به ولو نطقت لكان ذلك نقضا للصوم الذي نذرته .
وقد أثار العلماء بحثا حول نطقه صغيرا بهذا الكلام الذي لا ينطق به إلا نبي يوحى إليه ، أكان هذا الكلام نتيجة بعثه نبيا ، وأنه بذلك بعث وهو صبي في المهد ، وقد أجاب الأكثرون عن ذلك بأنه تكلم في المهد ليتحقق وفاء أمه بنذرها ، ولتحقق براءة أمه من اتهامها بالزنى ، وهي البريئة العذراء البتول التي اصطفاها اللّه على نساء العالمين ، ثم عاد إلى ما يكون عليه الأطفال حتى بلغ المبلغ الذي ينطق فيه من يكون في سن النطق ، وأثاروا بحثا حول ما جاء بقوله من أنه أوتى الكتاب ، وجعله نبيا ، وإيصائه بالصلاة والزكاة ، وبره بأمه ونطقه بقوله
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
.
وأجيب عن ذلك بأن كل هذا الذي أخبر به سبق بلفظ الماضي ، ومعناه للمستقبل كقوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ . . .
( 1 ) [ النحل ] ، وذلك