أيضا ، فيكون دعوى أنه اللّه دعوى لا أساس لها من الصحة ، بل باطلة في ذاتها ، وفيما اقترن بولادته فهو مخلوق كسائر المخلوقات ، وإذا كان مخلوقا فهو محدث ، وليس بقديم ، ولم ينشأ عن اللّه نشوء العلة من المعلول ، كما ينشأ المسبب عن السبب ، بل خلقه وأبدعه مختارا مريدا ، أنشأه من حيث لم يكن ؛ لذا قال تعالى :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
( 34 ) .
الإشارة إلى المذكور من التبشير به على لسان جبريل عليه السّلام ونفخه في مريم من جيب قميصها إلى ولادته ونطقه غلاما زكيا ، وإن ذلك كله خارق لنظام الأسباب والمسببات الذي كان يؤمن به فلاسفة الإسكندرية التي ولدت منها ديانة التثليث .
قَوْلَ الْحَقِّ
هنا قراءتان : قراءة بضم اللام « 1 » ، ويكون
قَوْلَ الْحَقِّ
بدلا من
عِيسَى
، أي أن عيسى هو قول الحق ، والإضافة من إضافة الاسم إلى الوصف ، كقولهم خاتم حديد ، أي خاتم هو حديد ، وكان عيسى
قَوْلَ الْحَقِّ
؛ لأنه نشأ بالقول ، إذا قال اللّه تعالى : « كن » فكان كما قال تعالى :
. . . وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ . . .
( 171 ) [ النساء ] ، وعلى النصب « 2 » يكون
قَوْلَ
مفعول لفعل محذوف ، ويكون حذفه لبيان اختصاصه بأنه قول الحق وتقدير الكلام أخص قول الحق ، وأنه خلق بقوله تعالى :
« كُنْ فَيَكُونُ » *
، كما أشرنا ، وكما سيقول اللّه تعالى فيما يتلو ذلك من آيات بينات ، وقوله تعالى :
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
الامتراء : الشك المقترن بملاحات ومجادلات بل مهاترات أحيانا .
وكذلك كان شخص عيسى عليه السّلام موضع ملاحات وخلافات بين طوائف مسيحية ؛ فإنه منذ انعقد مجمع نيقية سنة 325 ميلادية والمناقشات جارية حول شخص المسيح عليه السّلام ، فمن ادعاء بنوته للّه تعالى وألوهيته وفرضها على المسيحيين الموحدين ، والخلافات والملاحات تجرى ، فقد ضموا إلى ألوهيته ألوهية روح
هامش
( 1 ) قراءة ( قول الحق ) بالنصب : ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب ، وقرأ الباقون بالرفع . غاية الاختصار 2 / 564 .
( 2 ) انظر المرجع السابق .