تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4474

مساهمون:

ص٤٤٧٤
وإن هذا الكتاب الحكيم الذي هو معجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم نزل مقروءا ليبقى إلى يوم القيامة حجة خالدة ، ويحفظ في الأجيال بحفظ اللّه تعالى كما قال :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر ] ، ولقد قال تعالى في نزول القرآن .
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
( 106 ) .
قُرْآناً
مفعول لفعل محذوف يناسب المقام ، ويبينه ما جاء بعده ، وتقديره ، ونزلنا قرآنا ، أي نزلنا كتابا مقروءا ، لا مكتوبا فقط ، ولقد علم اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم طريق قراءته ، وهو ترتيله ، فقال تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
( 19 ) [ القيامة ] ، أي إن علينا أن تقرأ القرآن قراءة مرتلة مبينة ، كما قال تعالى :
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
( 4 ) [ المزمل ] . فالقرآن الكريم محفوظ بكل عباراته ، وكلماته وقراءاته ، وتلاوته ، ومنهاج هذه التلاوة ؛ لأن ذلك كله متواتر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم تواترا يعدّ العلم به علما ضروريا لا يرتاب فيه إلا كافر . والتنكير في قوله تعالى :
قُرْآناً
للتعظيم ، وليذهب العقل في عظمته كل مذهب ، ولأن المقصود وصفه بأنه مقروء غير مكتوب فقط ، بل هو محفوظ في الصدور قبل السطور ، وكان حفظه في الصدور حماية له من التحريف . وقوله تعالى :
فَرَقْناهُ
فيها قراءة بالتخفيف ، وأخرى بتشديد الراء ، والمعنى واحد ، ومتلاق ، وهو أنه نزل مفرقا ، ولم ينزل دفعة واحدة ، بل نزل منجما نجما بعد نجم على حسب ما تقتضيه حكمته تعالى وإرادته فكان ينزل مع الحوادث ، وهي تشير إلى بيانه ، وليستطيع النبي وصحابته حفظه ، ولو نزل دفعة واحدة ما وجد من يكتبه ، لأنهم قوم أميون ، ولأن الكتابة قد يصيبها التحريف ، وما في الصدور لا يحرف ، ولا يصحف ، ولا يذهب حفظه كشأن الكتب السابقة التي حرفت ، ونسي النصارى واليهود حظا مما ذكروا به .
زهرة التفاسير — صفحة 4474 | محمد أبو زهرة