رأى المشركون ذلك ورأوا أن يزيدوا في إيذائه ليزعجوه ويستفزوه ليخرج ، وبلغ ذلك أقصاه عندما هموا بقتله أو تثبيته أو إخراجه ، وإلى هذا يشير قوله تعالى :
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها
و ( إن ) هنا هي المخففة من الثقيلة كما هي في الآية السابقة في التلاوة ، واللام لام التوكيد فارقة بينها وبين ( إن ) النافية ، ومعنى استفز ، أي طلب الفزّ بألا يكون قارا ثابتا ، وهؤلاء طلبوا أن يفز النبي صلى اللّه عليه وسلم من الأرض بألا تكون مستقرا له يأمن فيها ويسكن حتى لا يبقى بها ؛ لأنهم علموا أنه لا محالة مضيع شركهم قاض على أوثانهم مزعج لهم فأزعجوه منها ليخرج ، والأرض هي أرض مكة ؛ لأنها المعهودة ، ف ( أل ) للعهد ، ولأنها الجديرة بأن تسمى الأرض الحرام ؛ لأنها الحرم الآمن الذي يجبى إليه ثمرات كل شئ ولأنها أم القرى ، إنهم يفعلون ذلك ليخرجوك من أرض مكة ، ولكنه إن خرج فإنه يبتدئ زوال سلطانهم وهي تضطرب من تحتهم ، ولذا قال تعالى :
وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا
، أي أنه نتيجة لخروجه من بينهم لن يستمروا بعده إلا زمنا قليلا فإن دولتهم تأخذ في الزوال ، وذلك بأحد أمرين :
الأمر الأول : أن يجد قوما غيرهم يستجيبون لدعوته وتكون له بهم قوة فيردون اعتداءاتهم ، وفتنهم وقد كان ذلك ، فإن اللّه تعالى أمره بالهجرة في ميقاتها عندما وجد من استجاب من أهل يثرب ، فكانوا هم ومن هاجروا قوة الإسلام استنصفوا منهم ، ثم زالت دولة الأوثان بعد ذلك ويئس الشيطان أن يعبد في هذه الأرض .
الأمر الثاني : أن ينزل اللّه بهم ما أنزل بالذين آذوا أنبياءهم وأخرجوهم أو سدوا سبل الحق عليهم حتى يئسوا من أن يؤمنوا ، وقال اللّه لكل نبي منهم :
. . . لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ . . .
( 36 ) [ هود ] ، فإنه ينزل عليهم من آياته خسفا ، أو زلزالا ، أو حاصبا ، أو ريحا صرصرا عاتية .
وقد كان الأول وإن ذلك سنة الأولين ، وقد قال تعالى :
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا
( 77 ) .