تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4433

مساهمون:

ص٤٤٣٣
ولقد قال الزمخشري في هذا المقام : في ذكر الكيدودة وتقبلها مع إضافة العذاب الشديد المضاعف في الدارين دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته ، وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة للّه تعالى ، وخروج عن ولايته وسبب موجب لغضبه ونكاله ، فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها فهي جديرة بالتدبر وأن يستشعر الناظر فيها الخشية . وإنه إذا كان قد ذكر القرآن الكريم أنه كاد يركن ، فليس معنى النص يفيد أنه ركن ، وقدر ذكر اللّه عقابا مضاعفا للركون لا لقرب الركون ، فمعنى
إِذاً لَأَذَقْناكَ . . .
، أي إذا ركنت أذقناك ، وهذا خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يمكن أن يكون منه ركون ، وهو تحذير لأمته من أن يخطوا مع الظالمين وأن يركنوا إليهم ، كما قال تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ
( 113 ) [ هود ] . ولقد قال تعالى محذرا محمدا وأمته :
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
، العطف ب
ثُمَّ
بعد النصرة إذا كان منه الركون ، وقال :
عَلَيْنا
، أي ليس لك علينا أن ننصرك إنما نتركك لمن ركنت إليهم ، وإن ذلك تحذير للأمة من أن تركن لظالم قط ، أو تقع تحت إغوائه ، وأنهم كانوا يحاولون إخراج النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة ، ولذا قال تعالى :
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا
( 76 ) . كان كفار مكة يكيدون للنبي صلى اللّه عليه وسلم ولأصحابه ، فلقد آذوا أصحابه إيذاء بالغا ، حتى إن منهم من مات تحت حر العذاب كأم عمار بن ياسر وأبيه ، وحتى إن منهم من نطق بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، وقد هاجر منهم فرارا من الأذى إلى الحبشة طائفة من المؤمنين استنقاذا لإيمانهم وقد هاجروا مرتين ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم ثابت في مكانه مقيم يشارك من لم يستطع السفر الأذى والمصابرة ، ولو خرج لضاقوا في أنفسهم ، واشتد بهم الألم بعدم من يشاركهم ، وهو قطب الدعوة .