وقد يجاب عن الرأي الأول بأن الكتاب سمى بذلك ؛ لأنه حجة عليه لا يستطيع معه إنكارا ،
فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
الفاء تشير إلى أن هناك من يعطى بيمينه ، ومن يعطى بشماله ، أو هي تفصح عن كلام مقدر ،
أُوتِيَ
، أي أعطى كتابه بيمينه وإعطاء الكتاب بيمينه يشير إلى أنه من أهل اليمين وهم أهل الجنة كما قال الله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 ) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
( 9 ) [ الواقعة ] ، ويقول سبحانه عن أصحاب الشمال :
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
( 44 ) [ الواقعة ] .
وقوله تعالى :
فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ
، أي أنهم يقرءون كتابهم مستمتعين بهذه القراءة مدركين جزاءهم متوقعين له ،
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
، أي مقدار فتيل ، وهو ما يكون بين جزأى النواة وهو ضئيل ، كما قال تعالى :
. . . وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً
( 60 ) [ مريم ] ، وكما قال تعالى :
. . . فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً
( 112 ) [ طه ] .
وقد ذكر سبحانه أن أهل اليمين يقرءون كتابهم ولم يذكر أهل الشمال أنهم يقرءون كتابهم ؛ لأنهم لا يقرءونه استخزاء من أفعالهم وهو كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
وإن هذه حال أهل اليمين ، أما حال أهل الشمال فقد أشار سبحانه وتعالى إليها بقوله تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 ) .
العمى هنا هو عدم إدراك النعمة أو عدم شكرها والكفر بها ، ففي الكلام استعارة حيث شبه عمى القلب بعمى البصر بجامع عدم الإدراك في كل ، فمن عمى في الدنيا لا يدرك النعم أو يدركها ولا يشكرها
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
، أي فهو في الآخرة أكثر عمى وأضل سبيلا ، أي أبعد عن إدراك الطريق المستقيم ؛ لأنه في الآخرة قد انتهى وقت العمل وفيها الجزاء ، أو لأن عمى الدنيا