قال تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
التكريم يتناول التكريم الأول بأمر الملائكة بالسجود لآدم ، فإن ذلك تكريم للخلق الإنسانى منذ الابتداء ، وليس معناه أن كل إنسان أكرم عند اللّه من الملائكة ، بل معناه أن آدم ذاته قبل أن يعصى كان مستحقا للكرامة فوق الملائكة ، ولكنه بعد ذلك عصى آدم ربه فغوى ، وهذا يشير إلى أن آدم يستحق الكرامة التي كرمه بها إلا إذا عصى .
وإن تكريم اللّه للإنسان ابتداء كما رأيت منذ النشأة الأولى ، ثم كان من تكريمه أن خلقه في أحسن تقويم ، ثم كان من تكريمه أن أعطاه سبحانه وتعالى العقل المميز ، ثم كان من تكريمه أن جعل له إرادة يختار بها الخير والشر فيعلو عن الملائكة إن اختار الخير ، وذلل كل الصعوبات التي تعترض طريقه ، ثم كان من تكريمه أن سخر له السماوات والأرض والنجوم وصار كل من في الوجود له ، كما قال تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً . . .
( 29 ) [ البقرة ] .
وذكر اللّه تعالى من تكريمه أنه تمكن من الأرض يحمل فيها بالركائب التي سخرها له من بغال وحمير وخيل مسوقة وغير مسوقة وجمال له فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ، وكان حمله في البحر بالفلك المشحون كما ذكر سبحانه في آيات أخرى .
وإن الحمل في البر يدخل فيه الحمل في الجو بالطائرة التي تسبح في الهواء كما يجرى الفلك في الماء ، كما قال تعالى :
. . . وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
( 8 ) [ النحل ] ، وقوله تعالى :
فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
وإن كل المخلوقات التي لم تؤت مثل ما أوتى ابن آدم من عقل مدبر وإرادة للخير والشر وابتلاء بالخير والشر ، كما قال تعالى :
. . . وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً . . .
( 35 ) [ الأنبياء ] ، كل هؤلاء فضل الإنسان عليهم بالفعل والتمييز والإرادة لما يفعل وتحمل التبعة .
وقوله تعالى :
مِمَّنْ خَلَقْنا
، ( من ) بمعنى بعض وهم كثرة ، فالإنسان من بين ما خلق قليل محدود ، وغيره كثير غير محدود ، وإن هذه الكرامة يستحقها