تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4388

مساهمون:

ص٤٣٨٨
أكد اللّه تعالى أنه يصرف القول في القرآن ، فقال :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ
، أي صدقنا عباراته ومعانيه ، فأحيانا تكون قصصا فيها العبر ، وأحيانا تكون بالأمثال يضربها ، وأحيانا يقرر الحقائق بطريق الاستفهام ، وأحيانا ينفيها ، ويستنكرها ، وهو في كل ذلك ينتقل من إقرار حكيم معجز إلى مثله ، وقد قال بعض العلماء في تصريف القرآن : لم يجعله نوعا واحدا بل وعدا ووعيدا ومحكما ومتشابها وأخبارا وأمثالا ، مثل تصريف الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال ، وهكذا كان التصريف من أسرار الإعجاز وهو أعلى درجات البلاغة وأسرارها . وإنك وأنت تقرأ القرآن وهو مأدبة اللّه تعالى تنتقل فيها من طيب سائغ إلى طيب سائغ ، في حلاوة طعم ، وجمال منظر وكله هنيء مريء ؛ لأنه مائدة رب العالمين . وقد صرف اللّه سبحانه في القرآن ذلك التصريف
لِيَذَّكَّرُوا
، أي ليملئوا قلوبهم بذكر اللّه وليعتبروا بعبره ، وليروا فيه الكلام المعجز الذي يذكرهم برسالة النبي ليؤمنوا . ولكن المتعنت المعاند لا يقنعه الدليل ولا يزيده إيمانا بل إن عناده وطغيانه يزيده استمساكا بضلاله وإصرارا على كفره ، ولذا قال :
وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً
، أي إلا بعدا عن الحق نافرين منه . والتذكر هنا هو التدبر كما قال تعالى :
. . . قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
( 126 ) [ الأنعام ] ، والنفور كما أشرنا الإيغال في الضلال والإمعان فيه ، وأي ضلال أشد من النفور من الحق واجتنابه . ولقد قال تعالى موجها القول إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم لإبطال شركهم :
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ( 42 ) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً
( 43 ) .