الأسرة وحماية الضعفاء ، وفي ذلك بناء المجتمع بناء صالحا ثابتا ، أخذ ينهى عن آفاته ، وابتدأ بأشدها نكرا ، وهو قتل الأولاد خشية الإملاق ، فقال :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
( 31 ) .
الإملاق هو الفاقة ، وشدة الفقر ، وأصلها اللغوي أملق الرجل إذا لم يبق له مما يملك إلا الملقات ، وهي جمع ملقة ، وهي الحجر الأملس الذي لا يقف الماء عليه ، ولا ينبت زرعا ، وذلك كناية عن أنه لا يملك ما يقوتهم به .
أي لا تقتلوا أولادكم خشية الفاقة ، وألا تملكوا لهم مالا تنفقون عليهم منه ، و
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
تفيد أنهم الآن مالكون ما ينفقون منه ، ولا يقتلونهم لذلك بل يقتلونهم خشية أن يتكاثروا فيكون الإملاق ، ولذا قال تعالى :
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
بتقديم رزقهم عليهم ؛ لأنهم يخافون موتهم من جوع ، فيسارعون بقتلهم ، فاللّه تعالى أمنهم على رزق هؤلاء الأولاد ، وفي تقديم رزق الأولاد إشارة إلى أمرين : أن رزقهم يتبع رزق الأولاد ، فإن قتلوهم فقد حرموا هم أيضا الرزق ثم إن الأولاد ذاتهم رزق من اللّه .
وبعد هذا الترغيب ، وتسهيل الأمر عليهم ، بين أثر ذلك القتل أو أشار إليه فقال تعالى :
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
أي إثما ، فالخطأ : الإثم والوزر ، وقرئ بفتح الخاء « 1 » على أنه من الوزر أيضا ، لأنه من خطئ يخطأ خطأ ، كأثم يأثم إثما يقال : إثما ، ويقال خطأ بمعنى الوزر ، كما يقال حذرا وحذرا بفتح الحاء والكسر .
ووصفه سبحانه بالكبر منكرا ، دليل أنه خطأ عظيم أشد ما يكون الإثم إذ إنه يؤدى إلى فناء الأمة أو ضعف نسلها ، وفي ضعف النسل ذهاب ريحها وقوتها .
والقتل المنهى عنه في الآية يشمل ما كان في عصر نزول القرآن وما قبله من أعمال الجاهلين ، من وأد البنات ، وما يقوم به الآن بعض المنحرفين المعاندين الذين
هامش
( 1 ) قراءة ( خطئا ) بفتح الخاء والطاء : يزيد ( أبو جعفر المدني ) وابن ذكوان . غاية الاختصار : 2 / 546 .