بل ينفق من غير ضابط يضبط ، وقد شبه المسرف بمن تبسط يده يؤخذ ما فيها من غير إرادة صاحبها ومن غير تقديره ، ومن غير تعرف من يستحق فيعطيه ، ومن لا يستحق فيمنعها ، بجامع ضياع المال من غير إرادة حكيمة مقدرة ، تضع الندى في موضع المندى ، وتمنع من يستحق المنع .
وقد بين اللّه تعالى نتيجة البخل والإسراف ، فقال تعالت كلماته ،
فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وما قبلها هو البخل والإسراف ، فقوله تعالى :
فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
، و ( تقعد ) هنا أي تصير في حال قاعدا فيها ملوما على بخلك ، محسورا بضياع مالك في غير حقه ، ففي الكلام لفّ ونشر مرتب ، كما قال ابن كثير : أي فيكون ملوما في حال البخل ، ومحسورا في حال الإسراف ، ومحسورا ، أي أصابته الحسرة على ضياع ما في يده ، وصيرورته فقيرا بعد أن كان غنيا ، ونقول محسورا من حسر في السفر لا يستطيع الحركة ، ويكون في الكلام تشبيه حال من أصبح لا مال له بحال المحسور في السفر ، الذي انقطع عن أهله ، كما انقطع هذا عن ماله .
أو نقول إنه محسور ، أي كليل عاجز كالدابة المحسورة العاجزة ، كما في قوله تعالى :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
( 4 ) [ الملك ] ، أي كليل .
والواقع أن الإسراف يجعل المسرف في حسرة على ماله الذي أضاعه ويجعله مقطوعا عما كان له من مال كالمسرف المحسور ويجعله كليلا متعبا ؛ لأن اللّه أعطاه رزقا فأضاعه .
روى في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من يوم يصبح العباد إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر :
اللهم أعط ممسكا تلفا » « 1 » .
هامش
( 1 ) متفق عليه ، رواه البخاري : الزكاة ( 1351 ) ، ومسلم : الزكاة - في المنفق والممسك ( 1678 ) .