وكفروا بهم وبأمر ربهم ، وذكرت الأجيال من بعد نوح ؛ لأن نوحا الأب الثاني بعد آدم عليهما السلام ، كما قال تعالى :
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً
( 3 ) .
ولقد أهلكهم على علم بحالهم ، واستحقاقهم للهلاك ، ولذا قال تعالى :
وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
الباء في
بِرَبِّكَ
لتأكيد كفاية علم اللّه تعالى كقوله تعالى :
. . . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
( 79 ) [ النساء ] ، والباء في قوله تعالى :
بِذُنُوبِ
متعلقة بقوله تعالى :
خَبِيراً بَصِيراً
وقدمت هي ومجرورها على خبيرا بصيرا ، لكمال العناية ، وللإشارة إلى أن العلم بالذنوب كان دقيقا مبصرا ، وذلك لبيان أنه لا ظلم ،
. . . وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 33 ) [ النحل ] . والخبرة : العلم الدقيق الذي لا يغيب ، وهو علم واضح بيّن عنده ، كالعلم بالأشياء المبصرة عند الناس ، وللّه المثل الأعلى في السماوات والأرض .
وإن اللّه تعالى هو المعطى الوهاب يعطى عباده ما يريدون من حظوظ الدنيا والآخرة ، ولذا قال سبحانه :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً
( 18 ) .
كانَ
هنا للدلالة على الرغبة المستمرة ، والإرادة الدائمة ما دام على قيد الحياة ، والعاجلة وصف للدنيا أي الدنيا العاجلة ومتعها ، وجعلها غايته ، ومرمى همته ، ومطرح نظره ، ولم يكن له هم سواها ، وذكر الوصف دون الموصوف للإشارة إلى سبب الرغبة ، وهو كونها قريبة دانية ، فصاحب هذه الإرادة لا يريد إلا المنافع العاجلة ، وإن كانت زائلة ، ولا يريد المنافع الآجلة ، وإن كانت هي الباقية ، وقد كان جواب الشرط
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
، وفي الكلام جناس بين ( عاجلة ) ، و
( عَجَّلْنا )
، وإنه يتلهف للعاجلة ، فيشبع اللّه تعالى نهمته