تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4354

مساهمون:

ص٤٣٥٤
وهنا أمران بيانيان نشير إليهما : الأمر الأول : في قوله تعالى : مترفيها - فيه إشارة إلى أن السبب في التدمير هو الترف والاسترخاء ، ولذا قال تعالى :
« فَفَسَقُوا »
والفاء هنا لبيان أن ما قبلها سبب لما بعدها ، أي أن تمكين المترفين مؤد إلى الفسق لا محاله . الأمر الثاني : أن التدمير : الهلاك وهو نوعان : النوع الأول ذهاب قوتها ، وأن تكون طعمة سهلة لغيرها ، فذلك فناء لشخصية الأمة وضياع لقوتها ، وصيرورتها تابعة لغيرها ، فتفقد عزتها ، والنوع الثاني : أن ينزل اللّه تعالى عليها عذابا من عنده ، كريح حاصب صرصر عاتية ، أو يجعل عاليها سافلها ، ويمطرهم حجارة من سجيل ، كما فعل بقوم لوط ، إذ فسقوا عن أمر ربهم . وأيا كان نوع التدمير ، فقد رتبه سبحانه على الفسق ، وأكده بالمصدر الذي هو مفعول مطلق ، فقال سبحانه :
فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
، وقوله تعالى :
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
، أي فوجب عليها القول أي أمر اللّه تعالى بتدميرها ، إما بسبب عادى أدى إليه الترف ، وإما بعذاب من عنده ، واللّه تعالى أعلم . وقد أشار سبحانه إلى أن ذلك كان السبب في هلاك القرون من قبل ، فقال تعالى :
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
( 17 ) . اللّه سبحانه وتعالى يضرب الأمثال بالأمم السابقة من نوح إلى البعث المحمدي ، فإن الترف هو الذي دفع المترفين إلى معاندة الأنبياء ، واندفاعهم في الأهواء والشهوات ، ثم دفعهم ذلك إلى أن غشى قلوبهم فأهلكوا بما أترفوا وبما فسقوا و « كم » في قوله تعالى :
وَكَمْ أَهْلَكْنا
دالة على الكثرة ، فهي ليست استفهامية ، والمعنى كثيرا أهلكنا من القرون ، وموضع ( كم ) النصب بأهلكنا ، و ( من ) بيانية ، والقرون جمع قرن ، وهو الجيل من الناس ، والمعنى كثيرا أهلكنا من الأجيال التي بعد نوح في أمم الأنبياء الذين أترفوا وفسقوا وعاندوا الأنبياء