تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4356

مساهمون:

ص٤٣٥٦
بالتعجيل بما أراد ، ولكنه سبحانه يسيّر خلقه بحكمة ؛ فهو يعطى بحكمة ، ويمنع لحكمة ، ولذا لم يقل سبحانه إنه يعطيهم من العاجلة بما يشاءون ، ولا أنه يعطى الجميع ، بل يعطى من يريد تسجيلا لمشيئته ولحكمته ، وتثبيتا لإرادته واختياره ، ولذا قال :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
، فقيّد العطاء بمشيئته ، بالنسبة للعطاء فقد يعطى هذا المال ، ولا يعطيه الصحة ، وقد يعطيه السلطان ، ولا يعطيه العزة ، وقد يعطى هذا الجاه ، ولا يعطيه إلا الذل والهوان ، والعيش الدون في ذلة ، وفي الجملة يعطى العاجلة ، ولكن ليست كلها ، ولا يعطى العاجلة كل من يريدها بل يعطيها من اتخذ أسبابها ، ولم يتنكب طريقه فيجتمع له مع كفره ذل الدنيا وعذاب الآخرة . فيعطى طالب الدنيا هذا ، وينال ما يشاء اللّه وبعض ما يتمناه ، وهو في الآخرة ينال الحسرة والعذاب ، ولذا قال تعالى :
ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً
، أي جعلنا له ومن اختصاصه بشكل دائم جهنم يتخذها مثوى دائما ومستقرا ، ويصلى نارها ، ويقال له
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
( 49 ) [ الدخان ] حال كونه
مَذْمُوماً
لا يمدح أبدا ، و
مَدْحُوراً
، أي مطرودا من رحمة اللّه ، ورضاه فلا ينظر اللّه إليهم ، ولا يكلمهم . . هذا من أراد الدنيا ، ومن أراد الآخرة قال تعالى فيه :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
( 19 ) . من أراد الآخرة ، وكان التعبير بالآخرة في مقابل التعبير بالعاجلة لفرق ما بين الاثنين ؛ ذلك يريد أمرا عاجلا لا يصبر ولا يضبط نفسه ، وهذا يريد الآخر ، ولو كان مؤجلا ، فينال فضيلة الصبر والعمل ، ويترقب الآجل ترقب المدرك العامل . ولم يكتف بالترقب والانتظار ، بل سعى لها سعيها ، أي عمل لها العمل المقرب لنعيمها والمبعد عن جحيمها ، وفي التعبير ب
وَسَعى لَها سَعْيَها
، إشارة