تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4358

مساهمون:

ص٤٣٥٨
الذي لا ينقطع ،
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
، أي ممنوعا ؛ لأنه ليس فوقه أحد يمنعه ، وهو معط لا يمنع ، ولكن يجازى كلا بجزائه ، فإن شكر كان له النعيم المقيم ، وإن كفر بنعمته وأنكرها فإن له عذاب الجحيم . ونرى من هذا أن اللّه تعالى فضل بعض الناس بما سلكوا من سبل الخير ، وعاقب بعض الناس بما سلكوا من الشر ، وكيف من طلب العاجلة أخذ منها بما يشاء ولمن يشاء ، ومن طلب الآخرة زاده في حرثه إن قصد الآخرة ، وسعى لها وآمن ، ولذا قال سبحانه وتعالى بعد ذلك :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
. أمر من اللّه تعالى بأن ننظر نظرة تأمل في الحال التي فضل فيها بعض الناس على بعض في الرزق والمال ، وأن اللّه سبحانه يعطى في الدنيا كلا على حسب رغبته مع أن مشيئة اللّه فوق هذه الرغبة ، وأنه بهذا التمكين الرباني يكون من أعطاهم أفضل حالا من غيرهم فيكون من الناس الأغنياء والفقراء ، ويفضل بعضهم على بعض في الرزق من غير أن يتبع تفضيل في الشرف أمر أو أية تفرقة طبقية ، فالناس عند اللّه سواء وأمام شرعه سواء ، ولا فضل لغنى على فقير ،
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ . . .
( 71 ) [ النحل ] . وإن ذلك الذي أشار إليه في الدنيا فقط ، أما في الآخرة فطالبوها
أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
والمعنى أن الذين أرادوا حرث الآخرة ، فقصدوها مخلصين ، وسعوا لها سعيها مؤمنين أكبر درجات أي أعلى وأسبق وهم في درجات عليا ، وكلمة درجات لا تكون إلا في العلو والشرف الرباني ، وكذلك كان التعبير في قوله تعالى :
. . . نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . . .
( 32 ) [ الزخرف ] ، أي في الحياة الآخرة . وقال
أَكْبَرُ تَفْضِيلًا
أفعل التفضيل ليس على بابه فلا موازنة في كثرة الفضل ، بل المراد أنهم يلقون من الفضل كثرة ليس وراءه فضل لمستزيد ، ونفينا