الترف أن يسترخى الإنسان في إرادته وعزيمته وصبره ، فيكون كل شئ فيه مسترخيا ، فإرادته مسترخية ، وعزيمته لا قوة فيها ونفسه غير منضبطة ، والشهوات حاكمة ، والأهواء جامحة ، والمترف يختص بثلاث خصال : ضعف في الإرادة ، واندفاع وراء الأهواء والشهوات ، وأثرة تجعله يعيش في محيط نفسه ولا يخرج عن دائرتها ، ولذا كان المترفون دائما هم أعداء الأنبياء ؛ لأنهم أوتوا أثرة مقيتة ، وكل حق يحتاج إلى فداء ، وجهاد وبلاء وجلاد ، وكان أتباع النبيين من الفقراء الذين لا يعيشون عيشة راضية ، وكان أعداء النبيين من المترفين يقولون :
. . . وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . . .
( 27 ) [ هود ] .
وهذه الآية الكريمة :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
( 16 ) .
إن إرادة اللّه تعالى لهلاك الأمة تكون إذا سارت الأمة في أسباب الهلاك ، وانتهت إليه ، فيريد اللّه تعالى لها ما أخذت في أسبابه وسارت في طريقه قاصدة الغاية مريدة لها ، فمعنى إرادة اللّه تعالى سيرها في طريق الهلاك حتى ترد موارد الهلكة ، وذهبت أسباب قوتها ، وحلت محلها أسباب انهيارها .
والقرية : المدينة العظيمة ، ويصح أن يراد بها الدولة أو الأمة ، أو الجماعة أيا كان عددها ، وقوله تعالى :
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
فيها قراءات ثلاث ، وكلها متواترة ، وكلها ذات معنى صادق مستقيم :
القراءة الأولى : ( أمرنا ) بفتح الميم وهمزة من غير مد ، والأمر هنا مجازى ، ليس المقصود به الطلب ، وإنما المقصود تسهيل أسباب الترف ، وأسباب الاسترخاء