تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4293

مساهمون:

ص٤٢٩٣
الكذوب تكون في اضطراب مستمر ولا تملك نفسها كما لا تنضبط في ذاتها ، ودأبها على الكذب يؤدى إلى ضلال الفكر فيها حتى يصيبها خرف الكذب وفساده .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
بعد هذا المتاع الضئيل وهو عذاب دائم ليس له وقت محدود بل هو محدود بحدود اللّه ، وما من قارئ يقرأ هذه الهداية إلا امتنع عن الهجوم بقوله حلال وحرام إلا إذا كان النص على التحريم من قرآن أو أحاديث النبوة ، ولقد كان إبراهيم النخعي ، وهو من أئمة فقه الرأي كان إذا وصل برأيه إلى حكم يفيد التحريم لا يقول : حرام ، ولكن يقول أكره ، وإذا وصل بقياسه إلى حكم يفيد الحل قال ليس من بأس ، أو استحسن هذا متحرجا أن يقول حراما أو حلالا لكي لا يكون ممن دخلوا في حكم هذه الآية . وقال ابن العربي : « كره مالك وقوم أن يقول المفتى : هذا حلال ، وهذا حرام في المسائل الاجتهادية ، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومى هذا » ، وقد رأينا في هذا الزمان من يقول في أمور هي حرام بالنص إنها حلال ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . بين اللّه ما أحل وما حرم ، ثم حرم اللّه تعالى على اليهود بعض أمور ، وكان التحريم خاصا بهم دون غيرهم فطما لنفوسهم الشهوانية الظالمة ، وقد أشار سبحانه إلى هذه المحرمات في قوله تعالى :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 118 ) . وقوله تعالى :
ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ
، أي ما أخبرناك بتحريمه من قبل ، وهذا يدل على أن هذه الآية في سورة النحل متأخرة عن التحريم على اليهود في سورة الأنعام ، وذلك النص في سورة الأنعام :
زهرة التفاسير — صفحة 4293 | محمد أبو زهرة