تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4292

مساهمون:

ص٤٢٩٢
الوجه الثاني - أن يكون الكذب مفعولا للمصدر ، ويكون المعنى ولا تقولوا لوصفكم الكذب هذا حلال وهذا حرام . ومؤدى التوجيهين أنه لا يصح أن تقولوا هذا حلال وهذا حرام ، فإن ذلك الوصف هو الكذب بعينه ما دام لم يجئ من اللّه بيان فيه ، ولأنه قد ثبت ما أحل وما حرم ، فما عدا ما قاله اللّه باطل باطل ، ولذا قال تعالى :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
، ( اللام ) هنا هي لام الصيرورة أو لام العاقبة ، والمعنى لا تفعلوا ذلك ؛ لأن العاقبة أن تفتروا على اللّه الكذب . ( افترى ) أي قصد باهتا الكذب وتعمده وأزاد ، وقد ختم اللّه تعالى الآية بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
أكد سبحانه بأنه لا يفلح الذين يقصدون الكذب على اللّه تعالى ويتعمدون ويبهتون الناس بالكذب عليه سبحانه ، وذلك لأنهم يكونون قد مردوا على الكذب ، وفسدت مداركهم إذ ماعت نفوسهم فصارت لا تتجه إلى الحقائق ولا تستقر فيها الحقائق ، ولا يؤمنون بحق ، ولا يرفضون الباطل ، إذ من تصل حاله إلى الكذب على اللّه لا يمكن أن يفوز في أمر من الأمور ؛ ولذا قال :
لا يُفْلِحُونَ
، أي ليس من شأنهم أن يفوزوا . وقد ذكر الموصول للدلالة على أن الصلة هي السبب في عدم الفوز ، وأكد سبحانه عدم الفوز بالجملة الاسمية وإن المؤكدة ، وإذا كنا نراهم قد مردوا على الكذب وصار شأنا من شؤونهم فلا مانع يمنع من الكذب على اللّه سبحانه وتعالى ، أي كذب أعظم من أن يحرموا ويدّعوا أن اللّه هو الذي حرم عليهم . وقد بين سبحانه في تأكيد عدم فوزهم أنهم يحسبون بريق الحياة ومتاعها هو المتاع ، وبين اللّه تعالى أن متاعها قليل ؛ لأنه في ذاته قليل وزمانه قليل ومتاع الآخرة هو الأبقى ومن طلب متاع الدنيا بغير الحق فالآخرة تكون له عذابا أليما ؛ ولذا قال تعالت كلماته :
مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 117 ) . التنكير في
مَتاعٌ
يدل على قلته في ذاته وقلته في زمانه وهو بجوار الكذب الذي يكذبونه لا يعد متاعا ؛ لأن المتاع ما يقوم على متاع النفس ، والنفس