يسكن الكذب إلا حيث يكون إنكار بدهيات الأمور ؛ ولذلك كان الكذوب بهاتا يبهت الناس بغير الواقع ، ويكابر وتشتد مكابرته للواقع الثابت بالفطرة .
ولهذا يقول تعالى :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
، و ( إنما ) أداة من أدوات القصر ، فهي تتضمن نفيا وإثباتا ، أي لا يفترى الكذب إلا الذين لا يؤمنون بآيات اللّه تعالى في الكون ومعجزات النبيين الذين يثبتون بها إرسال اللّه تعالى لهم ، وهي واضحة لائحة يراها المبصر ببصره ، والمدرك بقلبه ، فحيث كان الإنكار لما هو ثابت بالبرهان يكون الكذب ؛ لأن الكذب إخفاء للحقائق ، وإنكار الآيات إنكار للحقائق فهما ينسابان من نبع واحد ، ويسيران في خط واحد .
وقد أكد كذب المشركين الذين لا يؤمنون بآيات اللّه بقوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
بالإشارة إلى ما هم عليه من إنكار للبديهيات التي تومئ إليها الفطرة ، والجملة تفيد القصر بأنه مقصور عليهم ، ولا يمكن أن يكون الكذب في المؤمنين ، فهذا نفى للافتراء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وتأكيد الكذب عليهم ، وإفادتها قصر الكذب عليهم بتعريف الطرفين وبضمير الفصل ، وكذبهم أكده سبحانه بالجملة الاسمية ، وبضمير الفصل ، وبوصفهم الكذب ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم والكذب ، فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، والفجور يهدى إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا » « 1 » .
الإكراه لا يمنع الإيمان ، والردة كفر بعد إيمان
قال اللّه تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 106 إلى 109 ]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 107 ) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 108 ) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 109 )
هامش
( 1 ) سبق تخريجه