وإن المعركة بين الكفر والإيمان كانت قائمة بمجرد البعث المحمدي ، فكان الإيمان بدلائله يغزو القلوب ويعمرها ، وكان الشرك بإيذائه وفتنه ، وتحويل الناس عن إيمانهم باللّه ورسله والملائكة ، والجنة والنار ، فحذر اللّه تعالى المؤمنين من أن يرتدوا بعد إيمان ، وذلك ببيان عاقبة ردتهم وكفرهم بعد الإيمان .
ومن الناس من لم تكن لهم همة أهل الإيمان ، ولا ثباتهم ، ولا مروءتهم وقوة يقينهم فذلوا بعد أن استقاموا ، وهانوا بعد أن اعتزوا باللّه ، وهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم الحكم الصارم ، وهو قوله تعالى :
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
.
ومن الناس من استقاموا على الطريقة ، وثبتوا وصبروا ولو أداهم ذلك إلى أن يموتوا في سبيل اللّه تعالى بعذاب أليم - كما قتل آل ياسر - الذين استمروا على الآلام حتى ماتوا من شدة العذاب ، ومنهم من نطق بكلمة الكفر تحت شدة العذاب ، وهؤلاء هم الذين أخرجوا من زمرة الكافرين لأنهم ؛ أكرهوا ، وقلبهم مطمئن بالإيمان .
ومنهم من صبروا تحت الآلام فلم ينطقوا بكلمة الكفر ، كبلال رضى اللّه تعالى عنه ، فإنه كان يعذب بالوضع في الرمضاء في شدة الحر ، ويضعون على صدره الصخرة العظيمة في شدة الحر ، ليحملوه على الشرك وهو مصرّ على الإيمان مطمئن القلب معذب الجسم وهو في هذا العذاب المؤلم الممض لا ينى عن أن يقول : أحد أحد ، ويصر عليها إغاظة لهم ، ويقول رضى اللّه عنه لهم وهم يعذبونه : لو كنت أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها ، واستمر على هذه المغالبة وتحمل الشدة حتى اشتراه أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه وأعتقه فكان ذلك أغيظ لهم ، وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري عذبه مسيلمة الكذاب لكفره به ، وإيمانه بمحمد ، فلم يزل يقطعه إربا إربا ، وهو ثابت لا يتزعزع .
وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يبلغه من نطق بكلمة الكفر ، وهو مطمئن بالإيمان ، فبلغه خبر عمار ، فقال : « إن قلب عمار ملئ بالإيمان ولحمه ودمه » .