الوجه الثالث - قوله تعالى بعد ذلك :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
( 103 ) .
الوجه الرابع - أن هذه ال سورة مكية ، والآيات المكية تتجه نحو التوحيد وإثبات الخالق ، وأحكامها قليلة ، والتجربة فيها قليلة .
لهذا كله سمحنا لأنفسنا بأن نخالف كثرة المفسرين ، وإن كان لهم أجر فيما اجتهدوا ، وهو أجر واحد .
وقد رد اللّه تعالى افتراءهم بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
( 102 ) .
الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم بالأمر من ربه والضمير في
نَزَّلَهُ
للقرآن المذكور آنفا في قوله تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
( 98 ) ، و
نَزَّلَهُ
مصدره التنزيل ، وهو الإنزال المتدرج على حسب المناسبات ، وليتمكن الذين يكتبون من كتابته ، وهم أميون ، لا يستطيعون الكتابة الطويلة ، وليحفظوه فيسجل في الصدور بدل السطور فيصعب بل لا يمكن تحريفه ، وقد تواتر جيلا بعد جيل ، و
رُوحُ الْقُدُسِ
وهو الروح الطاهر ، وهو جبريل عليه السّلام ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم حاتم الجود ، وعلىّ البيان ، ونحو ذلك ، وهذا مبالغة من اللّه في وصفه بالطهر والصدق ، وأنه رسول من اللّه صادق أمين وهو الذي نزل بالقرآن على قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
( 194 ) [ الشعراء ] ، وقد ذكر سبحانه أن غاية نزوله أن يزيد الذين آمنوا تثبيتا على الحق ؛ ولذلك قال تعالى :
لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا
التثبيت زيادة ما يكون ثابتا قوة وثباتا ،
الَّذِينَ آمَنُوا
الذين يدركون الحق بمداركهم الفطرية ، ويتجهون إليه اتجاها مستقيما ، فيدركونه بمواهبهم ، والشرائع السماوية تثبت الحق في قلوبهم ،
وَهُدىً وَبُشْرى
، أي أنه ذاته هدى ، وهذا