تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4223

مساهمون:

ص٤٢٢٣
بعد أن نهاهم سبحانه وتعالى عن ضرب الأمثال التي شيدوا فيها الأحجار التي كانوا يعبدونها أخذ سبحانه وتعالى يبين لهم الأمثال التي تصور الحقيقة وتهدى إليها ، فقال تعالت كلماته :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 75 ) العبد هو الفتى المملوك ، وذكر وصف مملوك ليتميز عن الحر ، الذي لا مالك له ، وكان التمييز ضروريا ؛ لأن الجميع مملوك للّه تعالى ، يستوى في المالك ، ومن يملكه من الرقيق ، ومعنى
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
، أي لا يقدر على التصرف في شئ من الأشياء وفي ذلك بيان لأنه مقيد ، قد وجد غل الرق في رقبته ، وأثقله ، فهو لا يقدر على شئ مادي ، ولم تكن له إنابة من مالكه أو عقد مكاتبة ، يستطيع به التصرف ليطلق نفسه ، بل هو قن مقيد بالرق ، ومقيد بأنه لا سلطان له في التصرف ، أي فيه العجز المطلق .
وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً
، ( من ) هنا نكرة تدل على ما هو في مقابل المملوك ، وهو إلى المالك لكل تصرفاته التي يقدر على كل شئ ، ومع هذه القدرة التي ثبتت له بمقتضى الحرية رزقه اللّه تعالى رزقا حسنا ؛ ولذا قال تعالى :
وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً
والحسن هنا معناه الطيب في ذاته ، فليس خبيثا في سببه فسببه طيب حلال لا حرام فيه ولا شبهة حرام ، وإضافته سبحانه وتعالى إليه لبيان أنه جاء إليه سهلا ميسرا من غير جهد ، وإن كان حلالا ، ولبيان أن كل الأرزاق من اللّه وليست الأسباب مؤثرة بإيجاد الرزق إنما هي أسباب جعلية وليست بأسباب
زهرة التفاسير — صفحة 4223 | محمد أبو زهرة