تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4178

مساهمون:

ص٤١٧٨
رد اللّه تعالى قسمهم الباطل بقوله تعالى - بلى - وهي تدل على الإجابة بالنفي وهو ما أكدوه ، ثم أكد سبحانه وتعالى الجواب بالنفي بقوله تعالى :
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
ووعدا مصدر ، ووصفه بأنه حق ثابت مستقر لا مجال لإخلافه ، وقال تعالى :
عَلَيْهِ
، أي أنه سبحانه التزمه ، وكيف يترك ما التزمه ولا ملزم له ، إنما هو الملتزم . وبين سبحانه أن أكثر الناس غلبتهم المادة ، وسيطرت عليهم الأحوال التي يرونها ، وتركوا المغيب عنهم فلم يدركوه ، ولم يؤمنوا بالغيب ؛ ولذا قال تعالى :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
الاستدراك هنا من الوعد المؤكد الثابت الذي ألزم اللّه تعالى به نفسه ، إذ كان الواجب عليهم أن يعلموا من قياس القابل على الحاضر ولكن أكثرهم لا يعلمون ، أي ليس من شأنهم أن يدركوا ، وأن يعلموا لأنهم لم يؤمنوا بالغيب ، ولم يعرفوا قدرة ربهم ، وما المراد ( بالناس ) ؟ إن أريد المشركون فكلهم لا يعلمون ذلك ، وقيل المؤمنون ، وإن أريد الناس جميعا ، فإن أكثرهم لا يؤمنون بالعودة ، ومن اعتقد منهم لا يذعن ، وإلا ما كانت المعاصي التي ترتكب جهارا ، فهي لا ترتكب إلا من غفلة في الإيمان باليوم الآخر ، وقد بين اللّه تعالى الغاية من البعث ، فقال تعالى :
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ
( 39 ) . ( اللام ) متعلقة بما قبلها ، أي أنها في مقام التعليل لوعد اللّه الحق الثابت المؤكد الذي ألزم اللّه تعالى به ذاته العلية ، والمعنى أن اللّه تعالى ما خلق الناس عبثا كما في قوله تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
( 115 ) [ المؤمنون ] ، فاللّه تعالى لم يخلق الإنسان ، ولم يجعله كالبهائم ، بل خلقه ومعه عقل يتفكر ويتدبر ، وحيث كان التفكير ، كان الحساب على الأفعال ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، والدنيا لا تتسع لكل حساب الأعمال ، فلا بد من أخرى يحاسب فيها على جميع الأفعال ، والأناسى منهم المظلوم المحروم ، ومنهم الظالم
زهرة التفاسير — صفحة 4178 | محمد أبو زهرة