تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4181

مساهمون:

ص٤١٨١
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 41 ) . الهجرة ترك الدار لغاية سامية أو لطلب الرزق ، وقد حبب اللّه تعالى في هاتين الحالتين ، فقال تعالى :
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً . . .
( 100 ) [ النساء ] . وقد كانت هجرتان : هجرة إلى الحبشة فرارا بالدين من الذين ظلموا ، ومن هؤلاء عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب وعدد من الصديقين والصديقات بلغت عدتهم ثمانين أو يزيد ، والهجرة الكبرى إلى المدينة وفيها هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن هذه ال سورة مكية ، أي أنها كانت قبل الهجرة الكبرى فالذين هاجروا في الآية هم المهاجرون إلى الحبشة . وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ
الفاء هنا للسببية ، أي لأجل اللّه تعالى ، وذكر الفاء يومئ إلى أنهم فنوا في اللّه فصاروا لا يفكرون في غيره ، وصار هو ملء قلوبهم ونفوسهم وعقولهم ، وأحاسيسهم فكلهم له سبحانه وتعالى لا يفكرون إلا فيه ، ويهون كل عذاب في سبيله . وقال سبحانه وتعالى :
مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
و
ما
هنا مصدرية ، أي من بعد ظلمهم ، وقد كتب اللّه تعالى لهم الجزاء الحسن لصبرهم على الأذى ، ونزول الظلم بهم ، وهجرتهم ببعدهم عن الخلان والأحباب ، والديار والأموال ، وبيع أنفسهم للّه تعالى حتى لا يطلبوا إلا مرضاته . وقد قال تعالى في جزائهم :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
، ( اللام ) لام القسم وهي مؤكّدة ، والقسم مؤكد ، ونون التوكيد مؤكدة ، والحسنة الأمر الذي يكون حسنا لا إساءة فيه في ذاته ولا في مغبته ، و ( نبوئنهم ) نمكنهم في الحسنة كأنهم يفتقدونها ويستمكنون منها ، والحسنة في الدنيا التي نالت المؤمنين والمهاجرين من بعد هي العيش الحسن ، وقد نزلوا من بعد الحبشة المدينة هم ومن كانوا في مكة يلاقون الظلم والإيذاء بكل أنواعه والاستهزاء والسخرية ، فالتقوا في دار الهجرة .