تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4151

مساهمون:

ص٤١٥١
وَإِنْ تَعُدُّوا
، أي إذا أردتم أن تعرفوا نعم اللّه بالعدد لا تحصوها ، ولا تضبطوها ، ففي كونك في بطن أمك في نعمة ، وفي غذائك وأنت في الغيب المكنون في نعمة ، وفي تنقلك في بطن أمك من نطفة إلى علقة ، فمضغة مخلّقة وغير مخلقة في نعمة ، وإذا خرجت إلى الوجود وجعل لك السمع والأبصار والأفئدة في نعم ، وإذا سخر لك الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم فأنت مغمور في نعم ، وهكذا في كل حياتك أنت في نعم اللّه تعالى ، وهو القيوم عليك . وإذا كانت معرفة هذه النعم لا تبلغها طاقتكم ، فأنتم أحرى بألا تبلغ طاقاتكم شكرها ؛ ولذا قال تعالى بعد بيان أن الناس لا يستطيعون إحصاء نعمه عليهم :
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
أكد سبحانه مغفرته ورحمته ، فكانت المغفرة من الرحمة ، إذ إنه سبحانه لا يطالبكم بالشكر إلا فيما تعرفون وما تطيقون وفيما تعرفون يعفو عن كثير سبحانه وتعالى ، وقد أكد سبحانه هذين الوصفين الجليلين أولا ب ( إنّ ) المؤكدة ، وبصيغة المبالغة ، وباللام ، واللّه على كل شئ قدير . وإن اللّه تعالى يحاسب القلوب في خيرها لحبه المغفرة ، ولإرادته الرحمة ، ولعدله ، ولكيلا يتساوى المحسن والمسئ ؛ ولذا قال عزّ من قائل :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ
( 19 ) . هذه العبارة فيها تهديد لأهل الشرك ، وتقريب لأهل الإيمان ، فهو يحاسبكم سبحانه على ما تعلنون من أعمال ، وما تسرون من عقائد ونيات يصحبها عمل ، فإن اتجهتم إلى شكر الخالق بعدم الإشراك به والإحساس بنعمه فإنه غافر لكم ما ترتكبون وتتوبون عنه إذا تبتم عن قريب ، وإن أسررتم الخير ونويتموه ، وهممتم أن تفعلوه فإنه غافر لكم ، لأن الحسنات يذهبن السيئات ، وبالنسبة للشر لا تحاسبون إلا بما تفعلون ، وما تعتقدونه من شرك وعبادة غيره ، كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . .
( 116 ) [ النساء ] ؛ لأن الغفران لا