فطرتهم تنفر منه ؛ ولذا يستثير سبحانه هذه الفطرة بحمل الإنسان على التذكر فيقول سبحانه :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 17 ) .
الاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع ؛ لأنهم فعلا عبدوا الأحجار فجعلوا من خلق الوجود كمن لا يخلق شيئا ، وهو ذاته مخلوق ميت لا حياة فيه إذ هو جماد من الجمادات وحجر من الأحجار ، وإنكار الواقع توبيخ ؛ لأنه يكون استفهاما عن واقع غير معقول ، فيكون الجواب منهم إقرارا بأنهم يفعلون أمرا غير معقول .
و ( الفاء ) في قوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ
لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإنه يترتب على أن اللّه تعالى خالق الأشياء والنعم والأنفس ، وبذلك يكون هو المعبود وحده ، وإلا كان الأمر المستنكر عقلا ، وواقعا ، وهو أن يكون الخالق كالمخلوق ، بل إن يكون الخالق كأصغر ما خلق ، والفاء مؤخرة عن تقديم ، فحق القول بيانيا أن يكون فأمن يخلق كمن لا يخلق ، ولكن الاستفهام له الصدارة في الجمل فأخرت الفاء ، وكذلك في القرآن كل فاء جاءت بعد حرف الاستفهام ، والواو العاطفة كذلك .
ويلاحظ في النص السامي ما يأتي :
أولا : أن اللّه تعالى عبر عن الأحجار التي كانوا يعبدونها ب ( من ) الدالة على العقلاء ، فقال سبحانه :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
وكان ذلك لأنهم عدوها معبودة ، فكأنهم يعاملونها معاملة العقلاء ، فكان التعبير مساوقة لزعمهم ، ولأن بعض الذين يعبدون غير اللّه يعبدون عقلاء ، كالثالوث المسيحي ففيه العقلاء ، وقد أشركوا ، وقد يكون ذلك للمشاكلة ، والتسوية التي أرادوها بين الخالق والمخلوق ، وذلك مثل قوله تعالى :
. . . فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ . . .
( 45 ) [ النور ] وإن اللّه سبحانه في أكثر من آية يعيد الضمير عليها كالعقلاء ، كقوله تعالى :
أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ