تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4131

مساهمون:

ص٤١٣١
الراسيات ، والبحار التي تجرى الفلك فيها ماخرات عبابها ، والأنهار والأمطار تنبت الزرع ، وتأتى بالثمار ، هذا ما يشير إليه ؛ لذا كان سبحانه وتعالى قد خلقها بذلك الإحكام وبذلك النظام الثابت الذي لا يتخلف ، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي يمسك السماوات والأرض ، فهو سبحانه وتعالى المتعالي عن الشركاء ؛ ولذلك قال اللّه تعالى :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
تسامى في ذاته عن أن يكون له شريك ؛ لأنه ليس كمثله شئ قط ، فهو المنفرد بالخلق والتكوين والإنشاء . وقوله سبحانه :
تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
كانت هذه الجملة مفصولة عما قبلها ، لتمام الاتصال فإن تمام الاتصال يوجب فصل الجملتين ، كما يوجبه كمال الانفصال ، إذ الجملة الأولى سببا للثانية ، فإن الخلق للسماوات والأرض سبب لكمال العلو عن المثل والشريك . هذا هو الخلق العام ، والإنسان نفسه فيه إثبات قدرة اللّه بديع السماوات والأرض ومبدع الإنسان ؛ ولذا قال تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
( 4 ) . وهو الماء الذي يخرج من بين الصلب الذي قالت آية أخرى :
. . . مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
( 8 ) [ السجدة ] ، وقوله تعالى :
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
يشير إلى الأدوار التي مر بها من طين فنطفة ، فعلقة ، فمضغة ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 14 ) [ المؤمنون ] هذه أدوار الإنسان ، وهو جنين لم يخرج إلى ظاهر الوجود ، وإذا خرج إلى ظاهر الوجود كان معه السمع والأبصار والأفئدة ، حتى تكون فيه كل قوى الإنسان من لسان وعينين وأذنين . هذه الأدوار كلها يشير إليها قوله تعالى :
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
، الخصيم الناطق المجادل الذي يحسن إدارة القول وتحويره وتحويله كعمرو بن العاص الذي
زهرة التفاسير — صفحة 4131 | محمد أبو زهرة