يلقاهم بقلب مفتوح ليفتحوا قلوبهم للاستجابة ، أو ليفتح هو هذه القلوب التي أصابتها غشاوة .
وفي هذا إشارة إلى معنى جليل في الداعي ، وخصوصا الرسول الأمين رسول رب العالمين ، وهو أن الداعي لا يستفزه غضب ولا يثيره أذى ، ولا يمنعه تجهم وسوء معاملة ، بل يجب أن يكون البشير النذير دائما في قرب للقلوب ، وإدناء للنافر وإيناس للشارد ؛ لأنه الطبيب المداوى ، وليس الحاكم المسيطر
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
( 22 ) [ الغاشية ] .
لقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ذا شخصية قوية عالية ، من شأنها أن تعلو دائما ، وهي ترهب الفجار ، ولكن لم يدع محمد صلى اللّه عليه وسلم في مكة إلا بقوة الدليل ، وبالنفس الأليف التي تقرب ولا تبعد .
وكانت تلك الشخصية الجبارة تبدو من حين لحين تعلن عن وجودها ، جاء رجل يطلب دينا من أبى جهل فاستعان بملإ من قريش ، فأشاروا عليه بأن يستعين بصاحب هذه الدار مشيرين إلى دار النبي تهكما بالرجل وبالنبي معا ، ولعل الذين استعانهم من أشكال أبى جهل فالرجل الغريب ذهب إلى النبي ، فأشكاه الرسول القوى ، وذهب به إلى دار أبى جهل ، فصك داره صكة ارتعدت فرائص أبى جهل لها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوله الحازم الآمر : « أدّ الرجل دينه » ، فدخل وأعطاه الدين صاغرا .
وما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ليستخدم تلك الشخصية التي تفرض الحق على من يخاطبه ، إنما تطامن ، ورضى بأن يكون الداعي غير الغليظ إدناء للنفوس .
هذا معنى الصفح الجميل ، أي الإعراض في قرب ومودة وإلف من جانبه ؛ ولذا كان الإسلام ، ينمو ويزيد ، ولا ينقص ويقل .
ولقد أكد اللّه سبحانه وتعالى الإخبار بخلقه لهذا الوجود بالحق ، فقال عزّ من قائل :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
( 86 ) .