تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4107

مساهمون:

ص٤١٠٧
أرادها فقال سبحانه :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
، ما خلق هذه الثلاث : سماوات ذات أبراج ، وأرض ذات طبقات ، وما بينهما من فضاء فيه عجائب ، وفيه أحياء ، وفيه أسرار للوجود التي لا يدركها الذين يرتفعون وينخفضون ، إنما يدركها المؤمنون برب هذا الوجود ، ما خلق ذلك إلا بالحق إلا بأمر ثابت مؤكد الحصول هو غاية الوجود ، ما خلق الناس ليتمتعوا ، ويأكلوا ، ويلهوا ويعبثوا ، ما خلق اللّه ذلك بغير حكمة ظاهرة ، ولا نهاية قاهرة ، وإنما خلقها ليعمر هذا الوجود ، وتسوده الفضيلة ، وتبعد عنه الرذيلة ، ويحكمه الخير ، ولا يحكمه الشر ، ويكون الحساب من بعد ذلك ؛ ولذا قال :
وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
، أي أن اللّه يمنع الشر في الدنيا ، بالقضاء على الأشرار الذين لا يرجى منهم خيرا ، بل يغلب عليهم الفساد ، كما رأيت في عاد وثمود ، ومن قبلهم قوم لوط ، ومن بعدهم فرعون ذو الأوتاد . وإنه بعد الدنيا سيجئ يوم القيامة ، وعبر عنه بالساعة إشارة إلى أنها ساعة فاصلة بين حياة دنيا فيها لهو ولعب ، وحياة فيها الحساب والجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، إنها للجنة أبدا ، أو للنار أبدا ، وهي الساعة التي لا يدرك كنهها إلا عند نزولها ، وهي الجديرة وحدها بأن تسمى ساعة ، وقد أكد سبحانه وتعالى مجيئها باللام وب ( أنّ ) .
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
، ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وجه هذا الترتيب أن العصاة ينالون العذاب والبوار وفي الآخرة الساعة تنتظرهم ، وإذا كانت هذه حالهم ، فلا يغيظك ما يفعلون ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ، بل استمر في دعوتك معرضا عن إثمهم وإيذائهم ، وفتنهم للمؤمنين ، فإنهم ملاقو ذلك في دنياهم بالتغلب عليهم ، وفي آخرتهم بالجزاء على ما صنعوا . وقوله تعالى :
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
، والصفح يتضمن الإعراض عن الإساءة وعدم التخلي عن الدعوة والاستمرار فيها ، وتضمنت كلمة الجميل بيان أن