النفي إثبات ، والمعنى تلومنا على إيذاء ضيفك وقد نهيناك عن أن تلقى أحدا من العالمين ، وإلا كان لنا معهم ما ترى .
ولا نرى تبجحا من العقلاء غير الفاسدين إلا قول بعض الطغاة ، وقد ذكّر بأنه قتل من قال محمد صلى اللّه عليه وسلم : « تقتلك الفئة الباغية » ، فقال لمن يحطون على هواه :
إنما قتله من أرسله ! ! .
ضاق نبي اللّه تعالى لوط بهم ذرعا ، فقال :
هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
فتزوجوهم شرعا ، ويكنّ لكم بحكم زواج صحيح .
هذا أبلغ ما وصل إليه العنت منهم ، وأبلغ ما وصل إليه الرفق في القول بهم ، ولكن قضاء اللّه تعالى قد نفد فيهم جزاء بغيهم وشذوذهم بإرادتهم ؛ ولذا قال تعالى في حالهم عند إنزال العذاب بهم :
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 72 ) ، ( اللام ) في
لَعَمْرُكَ
لام القسم أو الابتداء ، و ( عمرك ) مبتدأ وخبره محذوف تقديره قسمي ، وهي جملة عربية مشهورة في القسم بعمر من يخاطبه ، وهو النبي الطاهر يقسم بعمره المبارك ، وقوله تعالى :
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
جواب القسم ، والسكرة هي ضلالة الطغيان فهي تسكر صاحبها فلا يدرك الحق الحق والصواب ، و
يَعْمَهُونَ
معناها يتحيرون تائهين لا يدركون حقا ، ولا يطيعون رشيدا .
ثم قال في وصف العذاب :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
( 73 ) كان بالأرض رجفة شديدة هزت قشرة الأرض وتكسرت ، فانخفض بعض أجزائها ، وعلا الآخر ، وبذلك ابتلعت الأرض ديارهم بمن فيها ، ووضح سبحانه وتعالى ذلك بقوله :
فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
( 74 ) ، أي أنزلنا الأحجار نزولا متتابعا كالمطر الدائم المستمر ، والسجيل : الطين المتجمد أو طين سجل لهم واقع بهم في كتاب من عند ربهم .