حرب ، ولا خصام ولا نزاع من نوع ما كان يجرى في الأرض ، وهناك راحة نفسية ، وهي أبرك النعم بعد الأمن ، أشار إليه سبحانه بقوله تعالى :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
( 47 ) نزع اللّه تعالى ما في النفوس من الغل الذي يتكون من الحقد ، والحسد وحب الاستعلاء ؛ لأنه سبب في شقاء الدنيا ، فالناس يشقون إذا ملأ الحقد والحسد قلوبهم ، فالحاسد في هم دائم ، وتعب ملازم ، وكلما تكاثرت النعم على المحسود تفاقمت النقم على الحاسد ، ومن كان في قلبه حقد أوجب انتقاما ، فهو يضم بين جنبيه نارا تلهب دائما ، وتؤجج أضغان القلوب .
وقد صور النفوس المطمئنة فقال :
إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
، أي جالسين على سرر جمع سرير ، متقابلين بوجوه مقبلة فرحة مستبشرة ، وهذه نعمة أخرى من أجل النعم الإنسانية وهي نعمة الأخوة والمحبة المتوادة المتراحمة ، ويروى أن المجاهد الأعظم بعد رسول اللّه عليا كرم اللّه وجهه عندما قرأ هذه الآية قال :
« أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم » رضى اللّه تعالى عن أولئك الأطهار ، ولعن الأشرار الذين بثوا بينهم وتاب على من هو أهل للتوبة منهم .
والنعمة الثالثة : نعمة الراحة ، وعدم المغالبة ، وقال فيها :
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ
، أي تعب ، بل فيها الراحة المطلقة للجسد ، والسرور النفسي المستمر ، ونعمة المحبة والمودة والصفاء ، وتلاقى القلوب .
وإنها نعم لا يخشى فواتها ، بل هي خالدة ؛ ولذا قال تعالى :
وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
ذكر الضمير
هُمْ
لتأكيد القول ، وقدم
مِنْها
للدلالة على نعمائها وجلالها ، ونفى الوصف
بِمُخْرَجِينَ
للدلالة على أنه لا يمكن أن يوصفوا بأنهم مخرجون ، فهو نفى للإخراج بأبلغ وجه ، أي ليسوا من شأنهم أن يخرجوا ؛ لأنه مقيم فاض اللّه تعالى به عليهم بسبب تقواهم وبرهم وهو الكبير المتعال .