( إن ) هنا نافية ، و ( من ) صلة لبيان عموم النفي ، والمعنى ما من شئ إلا عندنا علمه ، والمكان الذي يكون منه ، ونحن الذين نظهره إن أردناه ولا ننزله إلا بقدر معلوم .
فالمراد كمال السلطان ، وإحكام الخلق والتكوين ، وبسط الرزق ، وتقتيره ، اللّه يبسط لمن شاء ويقدر ، وقد يعطى العاصي إملاء له ليكون عقابه ، وقد يمنع التقى اختبارا لصبره ورجاء ثوابه ، وكل له ثواب وجزاء ، فالعطاء بيد اللّه ، والتعبير بقوله تعالى :
عِنْدَنا خَزائِنُهُ
مجاز عن علمه سبحانه وتعالى المحيط بكل شئ ، وبأنه سبحانه وتعالى الموزع للأرزاق ، وأنه المختبر للناس بعطائه ومنعه ، فهو يختبر من يعطيه بالعطاء ليكفر النعمة أو يشكرها ، ويختبر من يمنعه ليصبر أو يجزع ، وكل بقدر معلوم ، لا يكون عفوا من غير تقدير ، بل بإحكام وتدبير .
وقد ذكر سبحانه وتعالى بعض أسباب الرزق فقال تعالت كلماته :
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
( 22 ) .
أرسلها أطلقها ، والرياح بالجمع ، ولواقح جمع لاقحة ، وفي تفسير لاقحة نظران أحدهما - أنها محملة بالماء أو مثيرة للسحاب المحملة بالماء ، كما قال تعالى :
. . . وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ
( 12 ) [ الرعد ] ، وكأنها شبهت بالحامل لإثمارها وإنجابها ؛ وذلك لأن المطر يتكون من بخار الماء ، ويتكاثف حتى يصير سحابا ، والرياح تحرك هذه السحب من مكان إلى مكان حيث تصادف جوا باردا ، فتنزل أمطارا ، ويزكى ذلك النظر قوله تعالى :
فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
فذكر الماء بعد ذلك دليلا على أنها تثير السحاب المملوء بالماء ، وذلك ما سوغ وصفها باللواقح . والنظر الثاني - أن تكون الرياح حاملة بذور التلقيح للأشجار فهي تحمل بذور الذكورة أو الأنوثة ، وعندي أن النظرين يمكن الجمع بينهما ، إذ لا تعارض ، فالرياح لواقح باعتبارها حاملة أسباب اللقاح ، كما