وإن هذا لتصوير حكيم لحفظ اللّه السماوات من أن يكون في السماوات مفسدون ، كما في الأرض من يفسد فيها ، وهم شياطين خارجون عن الطاعة كشياطين الإنس والجن في الأرض .
وقد فهم بعض الناس من هذه الآية أنها تشير إلى علم النجوم ، وعلم حركاتها ، وتعرف أسرار الحظ من هذه الحركات ، ولكنا نقول : إن الآية الكريمة بمنأى عن هذا ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالكون ظاهره وباطنه .
وقد أشار سبحانه وتعالى إلى بدائع خلقه في السماوات وصيانتها من كل عابث ، وحفظها إلى ما شاء اللّه تعالى أن تبقى ، وبعد ذلك أشار إلى نعمائه على أهل الأرض فيما أنعم فقال تعالت كلماته :
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
( 19 ) .
مَدَدْناها
بسطناها ليسهل الانتقال فيها ، والإقامة في أجزائها ، وتبدو مبسوطة سهلة مع أن تعاقب الليل والنهار يدلان على أنها تدور حول الشمس ، وأنها كرة سابحة في الفضاء بقدر معلوم ، كما قال سبحانه وتعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
( 30 ) [ النازعات ] ،
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ
( 48 ) [ الذاريات ] ، فكان خلق الأرض ، ومدها ، ودحوها نعما مكنت الإنسان من الانتفاع بها ، ويقول سبحانه وتعالى :
وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ
. رواسي جمع راس أي ثابت ، يثبت الأرض بثقله ، كما قال تعالى في آية أخرى :
وَالْجِبالَ أَوْتاداً
( 7 ) [ النبأ ] .
وإنه من تلاقى السماء الدنيا بالأرض يكون المطر الذي ينبت به كل شئ ، وكما قال تعالى :
. . . وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . . .
( 30 ) [ الأنبياء ] ، فمن هذا المطر يكون الغيث الذي ينبت به النبات ؛ ولذا قال تعالى :
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
وموزون معناها مناسب مقدر بقدره الذي يكفى أهلها ، ويجعل إقامتهم فيها طيبة راضية ، وقد وزنها خالق كل شئ ولتكون للأحياء عليها غير