تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4077

مساهمون:

ص٤٠٧٧
وإن اللّه سبحانه وتعالى بناها ذلك البناء المحكم الدقيق الذي ارتبط ارتباطا وثيقا ، وحفظها ؛ ولذا قال تعالى :
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( 17 ) ، و ( الشيطان ) هو المفسد العابث ، و
رَجِيمٍ
بمعنى مطرود ملعون مبعد عن رحمته سبحانه وتعالى ، وهذا التعبير السامي فيه إشارة واضحة إلى أن اللّه سبحانه وتعالى خلق هذا الكون العظيم ، وحفظه من أن يتطرق إليه فساد أو عبث عابث . ومن هم الشياطين الذين حفظ اللّه السماوات منهم ، ووصفهم سبحانه وتعالى بأنهم مرجومون مطرودون من رحمته ملعونون ؟ لم يبين من هم ، ولم يرد في السنة من هم ، فلنكتف بما بين ، غير متزيدين على كتاب ربنا . ثم قال سبحانه :
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ
( 18 ) . الاستثناء هنا يصح أن يكون منقطعا عند بعض المفسرين ، ويكون المعنى لكن من استرق السمع ، وعلم بعض الأمور التي لا يصح إعلانها من أسرار هذا الكون السامي ، ولا يكون ذلك إلا بتقدير اللّه تعالى . وعندي أن الاستثناء متصل ؛ لأن ( الفاء ) في قوله :
فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ
وهي تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها تبعد أن يكون الاستثناء منقطعا ، وإذا كان متصلا يكون المعنى حفظه سبحانه من كل شيطان مرجوم أن يتطاول فيعبث ، وأقصى ما يصل إليه أن يسترق السمع ، أي أن يأخذ معلومات عن طريق الخفية كمن يسترق السمع ، تصديقا لقوله تعالى :
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
( 212 ) [ الشعراء ] . وإن هذا الذي يكون كمن يسترق السمع ، ويتخذ ذلك طريقا لمعرفة ما لم يعرف ، لا ينجو ، بل ينزل اللّه تعالى عليه ما يحرقه ، قبل أن يكشف علم ما نهى عنه ؛ ولذا قال تعالى :
فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ
والشهاب كوكب مضىء ، كما قال تعالى :
. . . فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
( 10 ) [ الصافات ] فهو نار مشتعلة أو شعلة مضيئة ، ويقول ابن عباس : تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع ، فينفرد منها ، فيرمى بالشهاب .