فإذا بقمصانهم المتصلة بأجسامهم اللاصقة بها نيران مشتعلة ، فالنار تحوطهم من كل ناحية في أجسامهم .
ولكن القمصان أو السرابيل لا تغطي الوجوه عادة فتجىء الحال الثالثة ، وهي قوله تعالى :
وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
، أي النار تستر وجوههم كما ستر القطران الملتهب أجسامهم .
وكان ذلك جزاء ، والإخبار به تبليغا ؛ ولذا قال تعالى :
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 52 ) .
هذا البيان من قوله تعالى :
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
إلى بيان ذلك العذاب الذي تعم فيه النيران أجسامهم ، إنما هو :
أولا : لبيان العدالة الإلهية .
وثانيا : ليبلغوا بالفعل وجزائه ، والخير والشر ، وما يجب عليهم .
وثالثا : للإنذار لكي يعلم أهل الشر مآلهم .
ورابعا : ليعلموا أن اللّه هو الواحد القهار ، وأن لا شئ له صفة الألوهية إلا اللّه تعالى .
وخامسا : ليتذكر أهل الألباب المدركين المؤمنين ، فهو ذكر لهم وإنذار لغيرهم .
أما أولها : فقد ذكره سبحانه بقوله تعالى :
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
وعبر بأن الجزاء هو ما كسبوا من عمل ، فليس في ظاهر اللفظ أنه جزاء العمل ، بل هو العمل ذاته ؛ وذلك للإشارة إلى المساواة التامة بين الجزاء والعمل ، فكأنه هو هو ، وقد أكد اللّه وقوعه فقال :
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
فإن السرعة هنا تأكيد