وتبديل الأرض أمر واقع لا محالة ، واختلف في كيفه وحاله ، فقيل : تبدل أوصافها ، فالجبال تتفكك وتصبر كالعهن المنفوش ، وتتحرك وتضطرب وتتفجر الينابيع وتسوى الماء باليابس فلا يرى عوج ولا أمت ، وقيل : إن الأرض كما هي ، ولكن يتغير ناسها ، ولا يكون فيها ظلم يقع ، بل تكون كلها تحت سلطان القهار وروى ذلك عن ابن عباس .
فقد أنشد بعد ذلك :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار الذي كنت تعلم
وتبديل السماوات بانتثار كواكبها ، وكسوف شمسها ، وخسوف قمرها ، وانشقاقها « 1 » ، ومن الحق أن كل الكون يتغير في أحواله وأوصافه ودورانه ، فالسماء تتغير ، كما قال تعالى :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( 1 ) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ( 4 ) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ( 5 ) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ( 6 ) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
( 7 ) [ التكوير ] .
وهكذا تبدل الأشياء ، وتتبدل الأحوال ، فبعد أن كان الظلم في الأرض بغالب الحق فإذا الحق هو الأمر الذي لا يغالبه شئ .
هذا يوم القيامة ؛ ولذا قال تعالى :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
، أي ظهروا وعلموا أنهم قد لقوا اللّه تعالى وقد كانوا يكذبون لقاء اللّه ، ويعجبون من أن يعودوا بعد أن يصيروا ترابا وعظاما ، ولكنه لقاء لا يسرهم ، إنا هو لقاء القهار لعقابهم ؛ ولذلك ذكر سبحانه وتعالى بوصفه الرهيب عندهم الذي ينقض اعتقادهم الباطل فقال :
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
، ولفظ
لِلَّهِ
يلقى وحده المهابة في نفوسهم بعد إنكارهم لقاءه ، ووصفه ب
الْواحِدِ
ليعرفوا أن شركهم كان باطلا ، وأنه وحده الحكم العدل ، فلا شفاعة لأحد ، ولا لأوثانهم ، و
الْقَهَّارِ
صيغة مبالغة من القهر ، أي أنه سبحانه وتعالى وحده الذي سيوفيهم جزاءهم مقهورين مغلوبين .
هامش
( 1 ) من الكشاف بتصرف .