وهنا يسأل سائل ، لما ذا عبر سبحانه في الجزاء بالانتقام ؟ لأن الظالمين من المشركين قد أرهقوا الضعفاء المؤمنين من أمرهم عسرا وصعبوا الاستمساك بالحق وجعلوه مرا فكان لا بد من الجزاء انتقاما من الظالمين لتقر أعين الضعفاء ويذوقوا حلاوة الحق بعد أن ذاقوا مرارته .
وقد يسأل سائل لا يعرف آداب القرآن ولا حكمة الديان : كيف يسمى العقاب انتقاما وهو لإصلاح النفوس لا للانتقام منها ، ونظرية الانتقام يبطلها علم القانون ، ونقول في الإجابة على ذلك : إن شأن الآخرة هو القصاص من جرائم الدنيا ، وأما في الدنيا فكلامهم قد يكون واردا على نظر فيه ، فإن العقوبات الإسلامية للردع ، والإصلاح يكون من طريقه ، إذ يكون فيه عبر لمن يكون على استعداد للارتكاب ، وقد قال بعض القانونيين : إن العقوبة إذا كانت من جنس الجريمة كانت أردع للجاني ؛ لأنه يتصور وهو يرتكبها أن سينزل به مثل الذي ينزله بالمجني عليه فيمتنع رهبة .
وإن ذكر العقوبات القاهرة فيه عبرة لمن يكونون على وشك الارتكاب في الدنيا ، فمن يعرف أنه سيذل يوم القيامة لا يذل الناس ، ومن يعلم أنه ينال عذاب الجحيم لا يكفر ولا يؤذى عبدا .
وإن ذلك الذي يكون فيه انتقام اللّه تعالى من الأشرار هو يوم القيامة يوم تبدل الأرض غير الأرض ؛ ولذا قال تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( 48 ) يوم متعلق ب ( انتقام ) ، أي أن اللّه تعالى في هذا اليوم :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ . . .
والتبديل قد يكون في الذات كقولك بدلت الدراهم دنانير ، ومنه
. . . بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها . . .
( 56 ) [ النساء ] ،
. . . وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ . . .
( 16 ) [ سبأ ] ، وقد تكون في الأوصاف كتبديل سبائك الذهب إلى حلى فثقلت من شكل إلى شكل ، والجوهر واحد في القولين ، وقد يكون تغييرا بين النقيضين أو الضدين ، ومنه قوله تعالى :
. . . فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ . . .
( 70 ) [ الفرقان ] فالعبرة في هذا بالأثر .