أولا : ألا يثق المؤمنون بهم بما يلبسونه من طقوس ، ومسوح يلقون بها بين الناس المهابة منهم والثقة فيبين اللّه للمؤمنين أنهم يتجرون بعلمهم ، ويأخذون الرشا وسحت المال ، والاتجار بالعلم في ذاته غير جائز ، فكيف إذا كان الثمن رشا وبراطيل وسحت المال .
وثانيا : ليكون ذلك تحذيرا لمن يتعلمون علم الإسلام بألا يتخذوه متّجرا يتجرون به ، فعلم الإسلام أعلى ما يدخره العلماء فلا يبيعونه ولا يحطون به على هوى الحكام ، ولقد قال في ذلك الحافظ ابن كثير : « والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان الثوري : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى . . . والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم ، ويقول في ذلك الفقيه عبد اللّه بن المبارك :
« وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها »
لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ
معناها يأخذونها بغير مسوغ ديني ، وعبر عن الأخذ بالأكل لأن الأكل في الأصل هو أوضح الغايات ، ولأنه ينبئ عن الشره والطمع في الأموال وأخذها بغير حق ، وذلك أنهم كانوا يأخذون سحت الأموال ، ويبيعون ما يحلونه لأنفسهم من الدين ، ويأخذون البراطيل ، وكلما زادت ثقة الناس فيهم ازدادوا طمعا في أموالهم ، بل فيما هو أفحش من باطل الأموال ، وبعد أن ضعف الدين في قلوب علمائنا كان منهم من يفعل مثل فعلهم ، ويقول في ذلك ابن كثير : « وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ، ومناصبهم ، ورياستهم في الناس يأكلون بها أموالهم ، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف ، ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجىء إليهم ، فلما بعث اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرئاسات فأطفأها اللّه بنور النبوة ، وسلبهم إياها » .
وإن نور النبوة المحمدية بعد أن بزغ ، وعم ضياؤه كان مزيلا لما يشيعه الأحبار والقسيسون من إفساد وضلال ، ولذلك لما فتك النصارى بالمسلمين في