أولئك من مشركين وكتابيين يريدون إطفاء نور اللّه ، فهم يعاندون اللّه ، واللّه تعالى غالب عليهم ، ولذا قال تعالى :
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
وقوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا
، في مقابلة
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
، هم يريدون واللّه تعالى يأبى عليهم ، ويأبى عليهم كل أهوائهم ، وعلى ذلك فمعنى ( يأبى ) لا يريد اللّه ، والاستثناء حينئذ مفرغ ، والاستثناء المفرغ لا يكون إلا في حال النفي ، مثل لا يقوم إلا أحمد ، ولا يهدى إلا محمد ، ولا معجز إلا القرآن .
فكيف يكون قوله تعالى :
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
استثناء مفرغا ، ونقول إن ( يأبى ) متضمنة معنى ( لا يريد ) ، في مقابل
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
، فهم يريدون الإطفاء واللّه لا يريد إلا أن يتم نوره ، ويعم الوجود الإنسانى ، وإرادة اللّه هي النافذة ، لأن إرادتهم ظلمة ، والنور كاشف الظلمة ،
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
لأن ستر الحقائق والتمويه والتضليل لا يدوم مهما بطل الزمان ، وقد أيد اللّه دعوة الحق بإرسال محمد يكشف به الظلمات ، فقال تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
( 33 ) .
الضمير يعود على لفظ الذي يأبى إلا أن يتم نوره ، وكان من إتمام نوره إرسال محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي أبطل الشرك وأبطل مقالة أهل الكتاب التي ليس لها من الحق سلطان تقوم عليه .
قال تعالى :
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ
الهدى هو القرآن ، وهو ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم من هداية . أخرجت العرب من الظلمات ، والقرآن فيه الهدى الكامل كما قال تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ . . .
( 185 ) [ البقرة ] .
و ( الباء ) في قوله تعالى :
بِالْهُدى
للمصاحبة أي مصاحبا للهدى أي معه المعجزة الباهرة ، والهداية الكاملة .