فما نحلوه له من ربوبية كان عبادة له فكانوا بذلك مشركين ، وما اتخذوا من أحبارهم من ربوبية ، فهي أنهم قد أخذوا التعاليم منهم ، فحرموا من عند أنفسهم ، واستباحوا من عند أنفسهم ، فمثلا لم يكن في الإنجيل منع من تعدد الزوجات ، ولكن الكنيسة بأحبارها ورهبانها منعوه ، وكانوا يبيحونه على حسب أهوائهم ، كما أباحوه لنابليون ، والتوراة فيها الإباحة من غير عدد .
ولو كانت أخرت كلمة
أَرْباباً
عن
الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
لكان المعنى أن الربوبية التي اتخذوها واحدة ، مع أن ربوبيتهم للمسيح عبادة ، وربوبية الأحبار أخذ للتعاليم ، وذكر اللّه تعالى أمه فقال :
الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
للإشارة إلى كونه إنسانا ، ولد كما ولد غيره ، وإن كان من غير أب .
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً
الضمير في أمروا يحتمل أن يعود إلى النصارى ، وهو الظاهر ، والمعنى أنهم جعلوا المسيح إلها يعبد ، ولما أقروا بحكم ما أنزل على موسى وعيسى وحكم إلههما تقدست ذاته وتنزهت عن أن يكون له شريك ، ويحتمل أن يعود على الأرباب وهو غير الظاهر ، ويكون المعنى أن الأحبار والرهبان قبل أن يكونوا أربابا ، أو أن يتخذوا أربابا ، هم أنفسهم ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا .
قال تعالى :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
.
( هو ) تعود على اللّه تعالى ، فهو حاضر في كل نفس ، وهو عائد على اللّه الذي أمروا بعبادته ، فقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
تأكيد لمعنى
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً
فيها تصريح بالألوهية له وحده ، سبحانه وتعالى عما يشركونه من عبادة المسيح ابن مريم .
وبهذا يتبين أن من يعبد المسيح مشرك مع المشركين ، وكونهم أهل كتاب يضاعف الحجة عليهم .