وقد يسأل سائل : لما ذا لم يذكر الرسول والإيمان به ؟ والجواب عن ذلك أن الإيمان بالله يوجب أن يؤمن بالرسالة الإلهية ، فالإيمان بالله يستلزم لا محالة الإيمان بالرسول الذي بعث رحمة للعالمين ، ولأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هي التي جاء بها الرسول الكريم ، وهو الذي علمه الرسول ، فالعمل بها يتضمن لا محالة الإيمان بالرسول ، فهذا عمل يتضمن علما ؛ ولأن الإيمان بالله يقترن به دائما الإيمان بالرسول فكان الإيمان بالرسول معلوما من غير إعلام ، وبينا من غير بيان .
وقوله تعالى :
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ
ومعنى الخشية الخوف المقترن بالخضوع والخشوع ، فمعنى قوله تعالى :
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ
أي لم يخش خوف خضوع وتذلل ومحبة إلا اللّه ، فلا يخاف غيره من رئيس يرهب ، أو صنم يعبد ولا يذل لكبير ، ولا لصنم ، ولا يخضع لأحد غير اللّه .
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف قيل
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ
والمؤمن يخشى المحاذير لا يتمالك ألا يخشاها . قلت : الخشية والتقوى في أبواب الدين ، وألا يختار على رضا اللّه رضا غيره لتوقع مخوف ، وإذا اعترضه أمران أحدهما حق اللّه ، والآخر حق نفسه فيؤثر حق اللّه على حق نفسه ، وقيل كانوا يخشون الأصنام ويرجونها وأريد نفى ذلك .
قوله تعالى :
فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، و ( أولئك ) إشارة إلى صفات هؤلاء من إيمان باللّه واليوم الآخر ، وإقامة الصلاة وإيتاء للزكاة ، وألا يخشوا إلا اللّه ، والإشارة إلى الصفات إيماء إلى أن هذه الصفات هي السبب في رجاء الهداية .
ومؤدى ذلك أولا : أن المشركين ليس لهم أن يكونوا من المهتدين ؛ لأنهم لم يؤمنوا باللّه ولا باليوم الآخر ، ولا يخشون غير اللّه ، ولا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة .