تلقوها من عتاة المشركين الذين قابلوا أهل الحق بالأذى من أمثال أبى لهب ، وأبى جهل ، والوليد بن المغيرة ، وغيرهم ، وهم الذين هاجروا إلى الحبشة فرارا بإيمانهم ، ومنهم من هاجر إليها مرتين ، وهم الذين لاقوا العنت ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه ، ومنهم من اضطروه تحت العذاب أن ينطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ومنهم من مات بعض أسرته تحت حر العذاب .
ثم في آخر الأمر هاجروا إلى المدينة ، فاستقبلهم إخوانهم بالترحاب وآووا ونصروا .
والأنصار هم الذين آووا ونصروا ، وأعزوا كلمة التوحيد وأغلوها وأعلوها ، فإذا كان المهاجرون هم الذين أظلوا شجرة الإسلام ابتداء ، فالأنصار هم الذين حموا ثمرتها وقامت دولة الإسلام في أرضهم وحراستهم ، وإذا كان المهاجرون قد لاقوا العنت في مكة فقد لقوا الإيواء في المدينة ، وإذا كانوا هم دعامة الإسلام فالأنصار دولته ، وفي رحابهم قامت المدينة الفاضلة التي أقامها محمد صلى اللّه عليه وسلم في ديارهم وإذا كان المهاجرون قد جاهدوا ابتداء بالصبر والمصابرة ، فقد كان جهادهم في المدينة مع إخوانهم الأنصار بذلك وبالقتال في المدينة ، والفريقان اختارهم اللّه للتأليف حتى تكونت منهم أطهر جماعة رأتها الإنسانية وأقواها ؛ ولذا قال تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
.
الإشارة إلى السابقين ، والإشارة إلى الموصوف إشارة إلى أوصافه ، وجعلها مناط الحكم ، أي أولئك الذين هاجروا بعد الإيمان ، وجاهدوا في سبيل اللّه والذين آووا ونصروا هم المؤمنون حقا ، أي إيمانا ثابتا صادقا حقا تلاقت أقوالهم وقلوبهم وأعمالهم .