تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3180

مساهمون:

ص٣١٨٠
وقد أيد اللّه تعالى عصمته بحاضر نصرته ، والماضي نور للحاضر ، فقال :
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
. إن اللّه تعالى وحده هو الذي أيدك بالنصر المؤزر كما كان في بدر ، فأيدك بالملائكة ، وأيدك بالاطمئنان في المعركة ، وأيدك بما كان من إلقاء الرعب في قلوبهم ، وإذ يريكموهم في أعينكم قليلا ، وأيدكم بالكلمة ، وقد أثنى اللّه تعالى على المؤمنين فقال تعالى :
وَبِالْمُؤْمِنِينَ
فالمؤمنون اجتمعوا ولم يختلفوا ، واعتزموا ولم يترددوا ، وانتظموا في صفوف كالبنيان ، وأمدهم بالصبر ولم يهنوا ولم يحزنوا . وما ذلك كله إلا بفضل من اللّه العزيز الحكيم ، وإن أعظم أسباب النصر بعد تأييد اللّه تأليف القلوب ، ولذا قال سبحانه في فضل نعمة التأليف :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. « التأليف » إيجاد ألفة بين الجماعات ، بحيث تألّف كل واحد من الجماعة صاحبه ، كالألفة التي أنشأتها المؤاخاة بين المؤمنين ، وهو غير الاتحاد ؛ لأن الاتحاد الاجتماع على أمر بالرأي والنظر ، وقد لا يأتلف واحد صاحبه ، وذلك قد يكون يجمع على فكرة أو حزب ، ولا يشترط فيه تلاقى قلوب الاجتماع ، وائتلاف النفوس ، وإن ذلك لا يستطيعه إلا اللّه ، لقد ألف اللّه تعالى بين المؤمنين والمهاجرين حتى كان الأنصار يؤثرون على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة ، وألف بين الأنصار بعضهم مع بعض ، حتى زال ما بين الأوس والخزرج ما كان بينهما من حروب ، وامتزجت نفوس القبائل المهاجرة ، حتى زالت من بينهم العصبية الجاهلية . وإن تأليف القلوب لا يمكن أن يجئ إلا من عمل مقلب القلوب ، ومؤلف الأرواح ، وقد بين اللّه استحالة ذلك إلا من اللّه فقال :
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
كما أن خلق شئ من العدم لا يكون إلا من خالق