جَنَحُوا
أي مالوا ، والضمير يعود إلى المشركين الذين وقعت الحرب بينهم وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم والذين كانوا يريدون الغارة على النبي ومن معه من المؤمنين الوقت بعد الآخر ، والذين يخاف النبي صلى اللّه عليه وسلم خيانتهم من وقت لآخر ، وإنهم إن كانوا كذلك ينبذ إليهم على سواء ، والسّلم تكون بفتح السين كما في هذه الآية ، وتكون بكسرها ، كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
( 208 ) [ البقرة ] .
والسّلم هو السلام ، وهي مؤنثة كنقيضها ، وهي الحرب ، ولذا عاد الضمير عليها مؤنثا في قوله تعالى :
فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
ومؤدى هذا النص السامي أنهم إذا مالوا إلى السّلم ، ولم يقولوه بظاهر من القول ، بل قالوه مطمئنين إلى أنه أصلح لهم ، فإنه لا مضارة منه عليهم ، ولا على المسلمين .
ومؤدى ذلك أن الإسلام يكون في قوة وعزة وغلبة أو أقرب إلى الغلب ، فإنه يجب على المؤمنين ، ولو كانوا هم الأقوياء الغالبين أن يميلوا إلى الصلح كما مالوا ، فالإسلام لا يريد الغلب لذات الغلب ، فليست فروسية ، إنما يريد دفع الأسرى وتسهيل الدعوة ، وإزالة كل العقبات المانعة للدعوة ، فإن كان ذلك بسلم فهو أولى بالأخذ والاتباع .
وقد لوحظ في الدعوة المحمدية أنها تقوى في السلم العزيمة ، ولا تضعف ، فقد حصل في فترة الحديبية أنه دخل الناس في الإسلام بعدد يعد أضعاف ما دخل فيه المسلمون من وقت البعثة المحمدية إلى وقت عهد الحديبية .
وإنه واضح من النص الكريم أن الذين جنحوا إلى السلم هم المشركون ، وأن المسلمين كان فيهم الغلب والقوة ، وقد نهى الإسلام بنص القرآن عن أن يعرض المسلمون الصلح على المشركين ، وهم في صلفهم لا يبدون ميلا للسلام ، ولذا قال تعالى :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ . . .
( 35 ) [ محمد ] .
وإن التقدم بطلب الصلح في هذه الحال خنوع في وقت القوة ، والصلح في هذه الحال يمكنهم من معاودة الحرب ، والاستعداد لها .