تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3181

مساهمون:

ص٣١٨١
الوجود ، وكما أن الزرع لا يخرج من كمئه إلا من اللّه ، وكما أن اللّه يذرأ الإنسان كهذه كلها يكون التأليف بعد النفور ، والمودة بعد العداوة كذلك خلق اللّه تعالى هذا التأليف في النفوس ؛ لتكون الجماعة القوية المتألفة المتآزرة التي يكون فيها البنيان يشد بعضه بعضا ، وإن ذلك مستحيل من العبيد ، وقد بين اللّه استحالة ذلك ، فقال تعالى :
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
أي لو ملكت كل ما في الأرض جميعا ، وأنفقته طالبا بهذا الإنفاق أن تؤلف القلوب ، ما استطعت لأنك لا تستطيع أنت ومن أن تخلقوا ذبابا ، والتأليف لا يملكه إلا الخالق ، فهو ليس في مقدور أحد من العباد ، ثم قال :
وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
الاستدراك ، ارتقاء في القول من قدرة الإنسان العاجز ، إلى ما يملكه الخالق القادر . وإن هذا التأليف كما قلنا هو الذي أوجد الجماعة الإسلامية الأولى التي كانت الخلية التي بذرت فيها بذرة الإسلام ، فنمت وترعرعت ، وكانت قوة الإسلام وقد قال الزمخشري في معنى ذلك التأليف : ( التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الآيات الباهرة ؛ لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية ، والانطواء على الضغينة في أدنى شئ وإبقائه بين أعينهم إلى أن ينتقموا لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واتحدوا ، وأنشئوا يرمون عن قوس واحد ، وذلك لما نظم اللّه من ألفتهم ، وجمع من كلمتهم ، وأحدث بينهم من التحاب والتواد وأماطه عنهم من التباغض والتماقت ، وكلفهم من الحب في اللّه والبغض في اللّه ، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب فهو يقلبها كما يشاء ، ويصنع فيها ما أراد ، وإنه إذا كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم خوارق عادات غير معجزة القرآن فهذا أشد خوارق العادات وضوحا وبيانا . وإن الآية تدل على تأليف قلوب العرب الذين كانوا أول من خوطب بالرسالة ، يستوى في ذلك المهاجري والأنصاري والأوسي والخزرجي ، بهذا نما الإسلام قويا عزيزا غالبا بقوة اللّه وقدرته ) .
زهرة التفاسير — صفحة 3181 | محمد أبو زهرة