هاتان آيتان في بيان قوة الإيمان وأهله ، وأنه لا يعجزه شئ ما دام مؤمنا بالله ومستعينا به سبحانه ، وما دام يستعد ويأخذ في أسباب القوة ، ولقد كان المشركون يتوهمون الغلب لمجرد أن يسبقوا في أمر أو يفوزوا فيه أو يفلتوا من مصادرة عيرهم ، فبين اللّه تعالى أنهم إن نجوا مرة لا يعجزوا اللّه تعالى ورسوله والمؤمنين ، ولذا قال تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ
.
« الواو » للاستئناف ، و « لا » ناهية ، والنهى عن الحسبان والظن هو نهى عما ينبغي ؛ لأن الحسبان لا يقع عليه النهى إنما المراد - فيما يظهر واللّه أعلم - لا ينبغي لهم أن يحسبوا أنهم سبقوا أي فازوا ، إذا سبقوا إلى عيرهم وأخذوها وأفلتوا بها فإنهم لا يعجزون ، ولم يذكر في الآية ما سبقوا فيه أو ما فازوا به ، بل أطلق نفى ظنهم أنهم سبقوا أي نوع من السبق ، أو فازوا بأي نوع من الفوز ، فالمعنى أنهم لا يظنون أنهم يسبقون بأي سبق ، فحياتهم فارغة أبدا ، لأنهم ليست لها غاية ، لأن أي سبق لهم فهو لغو ، وأن نهايتهم واحدة إن استمروا على كفرهم ، وإن اللّه تعالى غالب ، والنصر للمؤمنين وقوله تعالى :
إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ
قرنت بكسر ( إنّ ) ، وتكون الجملة مستأنفة في معنى تعليل نهيهم عن حسبان أنهم سبقوا على المعنى الذي ذكرناه ، لأنه ما دامت النهاية للمؤمنين وأنهم لا يعجزون ، فالهزيمة لا حقة بهم مهما سبقوا ، ومهما يفوزوا في حركات ليست هي النهاية ، واللّه من ورائهم محيط حتى يوم القيامة .
وهناك قراءة بفتح أن « 1 » ، أي أنهم لا يعجزون ، وتكون هنا لام التعليل محذوفة ، ومفهومة من مطوى الاسم : ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون ، وكثيرا ما تحذف لام التعليل ؛ لأنها مفهومة من سرد القول ، والمعنى الجملي للنص السامي أنهم مهما يسبقوا ويفوزوا فإن الغلب عليهم ، ولا تحسبنهم معجزين من المؤمنين ، كما في قوله تعالى :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ . . .
( 57 ) [ النور ] ، وقوله تعالى :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( 196 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ . . .
( 197 ) [ آل عمران ] .
هامش
( 1 ) قراءة ( أنهم لا يعجزون ) بها قرأ ابن عامر ، وقرأ الباقون بكسر الهمزة . غاية الاختصار ( 938 ) .