إذا تأكد المسلمون نبذوا هذا السلم الذي كان أصل هذه العلاقة وكانوا معهم على سواء .
ولا يقال : إن النبذ بنى على الخوف من الخيانة ، والخوف ظن ، ولا يبنى أمر قطعي على أمر ظني - لأننا قلنا : إنه خوف مؤكد بدت بوادر الخيانة ، وظهرت أماراتها ، والقائد المدرك لا ينتظر حتى تقع الخيانة ، بل يسارع بنبذ العهد ، ويستعد لهم ، ويحلهم من العهد ، كما أحل نفسه ، حتى لا يؤتى من غرة .
فعن عمرو بن عبسة أنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ، ولا يحلها حتى يمضى أمدها أو ينبذ إليهم على سواء » « 1 » .
وقد قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ
هذا النص السامي فيه تعليل للنبذ على سواء ، أي أن النبذ على سواء إعلام بإنهاء العقد ، ليكون معلوما مشهورا ، ولا يقع المؤمنون في خيانة ؛ لأن اللّه تعالى لا يحب الخائنين ، فالنص يمنع عن الخيانة ، بالنبذ على سواء ، وإلا لو هجموا سواء على دمائهم قبل النبذ فقد خانوا ، واللّه تعالى لا يحب الخيانة وقد أكد نفى محبة اللّه تعالى للخيانة بالجملة الاسمية ، وب « إنّ » ، ونفى المحبة أبلغ في النهى ؛ لأن محبة اللّه مطلوبة فإذا كانت الخيانة لا تؤدى إليها فهي منهى عنها نهيا شديدا مؤكدا .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 59 إلى 60 ]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 ) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 60 )
هامش
( 1 ) رواه الترمذي وصححه : السير - ما جاء في الغدر ( 1580 ) ، وأحمد : مسند الشاميين ( 16567 ) وأول مسند الكوفيين ( 18943 ) ، وأبو داود في الجهاد - الإمام يكون بينه وبين العدو عهد ( 2759 ) .