تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3127

مساهمون:

ص٣١٢٧
وقال تعالى :
يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
من حرب وإيذاء ، ولبس الحق بالباطل ، وكل ما كان منهم من جرائم في جنب اللّه ، فالله غفور رحيم ، وما ارتكبوا من زور وربا موضوع ، وكل دماء الجاهلية موضوع ، فكل هذا داخل في قوله تعالى
يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
. وقرر الفقهاء أن الحربي إذا أسلم لم تبق عليه تبعة من حقوق اللّه تعالى ، لأنه إذا غفر الشرك فما دونه أولى بالغفران ، إلا ما كان من حقوق العباد كديون عليه ، أو أكل مال بالباطل أو نحو ذلك ، والذمي إذا أسلم فإن الحدود تقام عليه وحقوق العباد تجب على العباد ؛ لأن ذلك يلزمه بمقتضى عقدا الذمة ، والإيمان يؤكد الالتزامات ولا يسقطها . وقوله تعالى :
وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
ظاهر النص إن يعودوا إلى الكفر بعد الإيمان فإن معاملة الكافرين تعود إليهم ، فمعنى
فَقَدْ مَضَتْ
، أي فقد تقررت سنة الأولين ، وهي معاداتهم لله تعالى ، منزل بهم ما نزل بالأولين من إخضاعهم للحق بالمحاربة وتنكيس رؤوسهم ، وإقامة الحق ، أو تدمير ديارهم بزلزال مدمر أو حاصب من السماء ، وإن سنة الأولين إما سلم مخزية ، أو حرب مجلية ، كما في بدر ، أو ريح عاصف أو سيل عال .
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
. الفتنة في الدين : إيذاء المؤمن لمنعه من اعتقاد ما يراه الحق ، أو من الاستمرار عليه ، وحمله على تركه بعد اعتقاده ، كما يفعل المشركون في مكة مع المؤمنين ، وكما فعل أصحاب الأخدود الذين قال اللّه تعالى فيهم :
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ( 4 ) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ( 5 ) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ( 6 ) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ( 7 ) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
( 8 ) [ البروج ] . ومن الفتنة في الدين أن يمنع الداعي إلى الحق من الدعوة إليه ، وأن يمنع تعريف الناس بهذا الحق . وكان الناس يفتنون في دينهم بعد دعوة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الحق ، فكانوا في مكة يفتنون ، وقتل في الشام من أسلم من العرب ، وحيل بين